بغداد _ العالم
في خيامٍ متلاصقة على أطراف محافظة نينوى، يكبر آلاف الأطفال داخل مخيم الجدعة وهم يحملون أسئلة أكبر من أعمارهم، وأسئلة لا تجد إجابات واضحة في واقعهم اليومي. هنا، حيث لا يشبه المكان مدينةً ولا قرية، تتشكل طفولة مختلفة، بعيدة عن مفهوم “البيت” التقليدي، ومثقلة بإرث معقد من النزاع والنزوح والاتهامات التي طالت عائلاتهم. هؤلاء الأطفال لا يعيشون مجرد مرحلة انتقالية، بل واقعاً طويلاً من العزلة، يهدد بتشكيل جيل كامل خارج السياق الطبيعي للمجتمع.
داخل هذا المخيم، لا يقاس الزمن بعدد السنوات بقدر ما يقاس بعدد التحولات التي مر بها الأطفال منذ ولادتهم. كثير منهم وُلدوا خلال سنوات النزاع، أو داخل مخيمات النزوح، ولم يعرفوا مدنهم الأصلية إلا من خلال روايات الأمهات. بالنسبة لهم، الموصل أو غيرها من المدن ليست أكثر من أسماء تُحكى، بينما الواقع الوحيد الملموس هو حياة المخيم، بكل ما تحمله من قيود وقسوة.
تقول إحدى الأمهات إن أبناءها لا يعرفون معنى الانتماء إلى مكان محدد، فهم حين يُسألون عن موطنهم يجيبون ببساطة: “نحن من المخيم”. هذا التحول في الهوية لا يعكس فقط غياب الجغرافيا، بل يشير إلى خلل أعمق في بناء الوعي لدى الأطفال، حيث تتداخل اللهجات، وتختلط المفاهيم، ويضيع الشعور بالانتماء بين مكان لم يعيشوه وآخر لا يمثل حياة طبيعية.
ولا تقف المشكلة عند حدود الهوية، بل تمتد إلى التكوين النفسي والاجتماعي. فالأطفال في مخيم الجدعة يعيشون في بيئة مغلقة تفتقر إلى الاستقرار التعليمي والعلاقات الاجتماعية الطبيعية. المدارس، إن وجدت، تعاني من ضعف الإمكانيات، فيما تبقى الأنشطة التربوية والنفسية محدودة مقارنة بحجم التحديات. وهذا ما يجعل عملية النمو لديهم غير مكتملة، حيث يغيب الاحتكاك الطبيعي مع المجتمع، وتبقى تجاربهم محصورة في نطاق ضيق.
الناشطون في المجال الإنساني يرون أن ما يجري داخل المخيم يتجاوز كونه أزمة إنسانية مؤقتة، ليصل إلى إعادة تشكيل جيل كامل في ظروف استثنائية. فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى تعليم أو دعم نفسي، بل إلى إعادة بناء منظومة الانتماء لديهم، وهي مهمة معقدة تتطلب برامج طويلة الأمد، وليس مجرد حلول سريعة. ويشيرون إلى أن بعض الأطفال يواجهون صعوبات في التفاعل حتى مع أقرانهم داخل المخيم، نتيجة التأثيرات النفسية المتراكمة والوصمة الاجتماعية المرتبطة بعائلاتهم.
من جهته، يحذر مختصون في علم الاجتماع من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تشوهات في البناء النفسي للأطفال، خاصة في ظل غياب بيئة مستقرة تساعد على تكوين الهوية. فالطفل، بطبيعته، يحتاج إلى شعور بالأمان والانتماء كي يبني تصوراً واضحاً عن نفسه، وهو ما يفتقده أطفال المخيم الذين يعيشون بين روايتين متناقضتين: رواية أسرهم، ورواية المجتمع الذي ينظر إليهم بعين الريبة.
ورغم أن الحكومة العراقية بدأت منذ عام 2021 بإعادة العائلات من مخيم الهول في سوريا إلى مخيم الجدعة، ضمن خطة تدريجية تهدف إلى إعادة تأهيلهم قبل إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية، فإن هذه الجهود ما تزال تواجه تحديات كبيرة. فبرامج التأهيل الحالية، التي تستمر لعدة أشهر، تركز بشكل أكبر على النساء والبالغين، في حين لا يحظى الأطفال بالاهتمام الكافي الذي يتناسب مع تعقيد حالتهم.
ويرى مراقبون أن عامل الزمن وحده لا يكفي لمعالجة هذه الأزمة، خاصة أن الأطفال لم يعيشوا أصلاً تجربة الحياة الطبيعية التي يُفترض إعادتهم إليها. لذلك، فإن أي استراتيجية فعالة يجب أن تبدأ بفهم عميق لهويتهم المشتتة، والعمل على إعادة ربطهم بعائلاتهم ومجتمعاتهم، وتعزيز شعورهم بالانتماء الوطني.
في المحصلة، يمثل مخيم الجدعة اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على التعامل مع واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً. فهؤلاء الأطفال ليسوا مجرد ضحايا لظروف استثنائية، بل هم مستقبل بلد بأكمله. وإذا لم تُتخذ خطوات جدية لمعالجة أوضاعهم، فإن المخيم قد يتحول من محطة مؤقتة لإعادة التأهيل إلى بيئة دائمة لإنتاج جيل يعاني من فقدان الهوية والانتماء، بما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية وإنسانية بعيدة المدى.