بغداد _ العالم
مع انطلاق موسم حصاد الحنطة للعام الزراعي 2025–2026 في عدد من المحافظات العراقية، يتجدد القلق في الأوساط الزراعية بشأن قدرة الحكومة على إدارة ملف التسويق وصرف المستحقات المالية للفلاحين في الوقت المناسب.
وبينما تشير التقديرات الأولية إلى وفرة في الإنتاج هذا الموسم، فإن التجارب السابقة التي شهدت تأخيرات متكررة في صرف الأموال ما تزال تلقي بظلالها على العلاقة بين الفلاحين والمؤسسات الحكومية، لتطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان هذا الموسم سيشكل نقطة تحول إيجابية أم سيعمّق فجوة الثقة القائمة.
في محافظات كربلاء المقدسة وميسان وواسط وكركوك، باشرت الجهات المعنية عمليات الحصاد بالتزامن مع فتح مراكز التسويق واستلام المحصول. وقد أعلنت الحكومات المحلية عن إجراءات تنظيمية تهدف إلى تسهيل عمليات التسليم، من خلال توزيع مراكز الاستلام على مناطق متعددة لتقليل الزخم، فضلاً عن تبسيط إجراءات الفحص ونقل الحبوب إلى السايلوات وفق الضوابط الرسمية. إلا أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تبدد بالكامل مخاوف الفلاحين الذين يشككون في قدرة هذه المراكز على استيعاب الكميات الكبيرة المتوقعة، خاصة في ظل محدودية البنى التحتية.
ولا تقتصر المخاوف على الجانب اللوجستي، بل تمتد إلى جوهر الأزمة المتمثل في تأخر صرف المستحقات المالية. فالفلاحون، الذين استثمروا مبالغ كبيرة في زراعة أراضيهم هذا الموسم، بدءاً من شراء البذور والأسمدة، مروراً بتأمين الوقود وتشغيل المعدات، وصولاً إلى استئجار الحاصدات الحديثة، يجدون أنفسهم في كل عام أمام معضلة تأخر المدفوعات، ما يضعهم تحت ضغط مالي كبير ويجعلهم عرضة للديون.
ويؤكد مهتمون بالشأن الاقتصادي أن هذا الملف يمثل اختباراً حقيقياً لمدى جدية الحكومة في دعم القطاع الزراعي، محذرين من أن أي تأخير جديد في صرف المستحقات سيؤدي إلى تعميق حالة عدم الثقة، وقد يدفع الفلاحين إلى التصعيد واللجوء إلى الاحتجاجات. ويشير هؤلاء إلى أن أزمة السيولة التي تواجهها الدولة تُعد العامل الأبرز في هذه المشكلة، إذ تعاني وزارة المالية من ضغوط كبيرة تحدّ من قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها في الوقت المحدد.
وفي هذا السياق، يرى مختصون أن نجاح الموسم الزراعي لا يُقاس فقط بوفرة الإنتاج، بل بقدرة الحكومة على إدارة دورة ما بعد الحصاد بكفاءة، بدءاً من التسويق، وصولاً إلى دفع المستحقات دون تأخير. فالفلاح الذي لا يحصل على أمواله في الوقت المناسب، لن يتمكن من تمويل الموسم الزراعي المقبل، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج تدريجياً.
من جانبهم، يعبر الفلاحون عن استيائهم من تكرار السيناريو ذاته كل عام، مؤكدين أن غياب الحلول الجذرية يدفعهم إلى التفكير في تقليص المساحات المزروعة أو حتى ترك النشاط الزراعي بشكل جزئي. ويشيرون إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، مقابل غياب الضمانات المالية، يجعل الزراعة مغامرة غير محسوبة النتائج. وتزداد خطورة هذه الأزمة في ظل اعتماد العراق بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية، ما يجعل دعم الإنتاج المحلي ضرورة استراتيجية وليست خياراً ثانوياً. ويرى خبراء أن استمرار إهمال هذا الملف قد يؤدي إلى تراجع الأمن الغذائي، وزيادة الضغط على الاقتصاد الوطني. كما يحذر مراقبون من أن فقدان الثقة بين الفلاحين والحكومة لا ينعكس فقط على القطاع الزراعي، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي، إذ أن شريحة الفلاحين تمثل جزءاً مهماً من المجتمع العراقي، وأي تدهور في أوضاعها قد ينعكس على شكل احتجاجات واضطرابات، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة أمام اختبار حاسم: إما أن تنجح في إدارة هذا الموسم بكفاءة من خلال تسريع عمليات التسويق وصرف المستحقات، أو أن تواجه موجة جديدة من فقدان الثقة قد تكون تداعياتها أوسع من مجرد أزمة زراعية.
لا تكمن أهمية موسم الحنطة الحالي في حجم الإنتاج فحسب، بل في كونه فرصة لإعادة بناء الثقة مع الفلاحين عبر سياسات واضحة وشفافة تضمن حقوقهم. فبدون ذلك، قد يتحول “حصاد الوفرة” إلى “حصاد أزمة” تعمّق التحديات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.