الوزيرة اليابانية التي أثارت إعجاباً واسعاً في مارس 2026 بعد ركضها للاجتماع واعتذارها الرسمي عن تأخر دام خمس دقائق بسبب حادث مروري، مجسدةً أعلى درجات الانضباط والالتزام بالوقت في الثقافة اليابانية، هي كيمي أونودا وزيرة الأمن الاقتصادي اليابانية ، أصل الحكاية أنها تأخرت عن موعد رسمي فخرجت لتعتذر علناً من الشعب ، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مبالغاً فيه فخمس دقائق في الحساب الزمني ليست شيئاً ذا بال لكن في الحساب الأخلاقي والسياسي تمثل هذه الدقائق معياراً كاملاً لثقافة المسؤولية العامة ،فالمسؤول في التجربة اليابانية لا يرى المنصب امتيازاً يمنحه حق التصرف بالوقت العام كما يشاء، بل يراه تكليفاً أخلاقياً يضعه تحت رقابة الضمير قبل رقابة القانون، ولهذا يصبح الاعتذار عن دقائق تأخر إعلاناً صريحاً بأن المنصب خدمة وأن الوقت العام ملك للشعب ، هذه الصورة تفتح باب المقارنة مع واقع مختلف تماماً في كثير من بلداننا، ومنها العراق بعد عام 2003 حيث تشكّل نظام سياسي يقوم نظرياً على الدستور والمؤسسات والتمثيل الشعبي، لكنه يعاني عملياً من ظاهرة مزمنة يمكن تسميتها ثقافة التأجيل السياسي، ففي مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية تتكرر مشاهد تعطيل الجلسات وتأجيل التصويت على القوانين وتأخير حسم الملفات الأساسية لأشهر وسنوات وأحياناً الالتفاف على النصوص الدستورية نفسها عبر التأويل أو التعطيل أو المساومات السياسية ، الفارق هنا ليس في الدقائق أو الساعات بل في المنظومة الثقافية التي تحكم سلوك المسؤول، ففي التجربة اليابانية يتأسس العمل العام على فكرة أن المسؤول موظف لدى الشعب وأن المنصب العام عقد أخلاقي قبل أن يكون عقداً قانونياً، أما في كثير من التجارب السياسية الهشة فإن المنصب يتحول تدريجياً إلى مجال للنفوذ والامتيازات فتتراجع فكرة الخدمة العامة لصالح فكرة الغنيمة السياسية حين يتأخر التصويت على قانون حيوي يمس حياة المواطنين أو تتعطل جلسات البرلمان بسبب خلافات سياسية فإن الخسارة لا تقاس بالوقت الضائع فقط بل بما يترتب على هذا التعطيل من تعطيل مصالح الناس وتآكل الثقة بالمؤسسات، فالدستور في أي دولة ليس مجرد نص قانوني بل هو تعبير عن عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع وعندما يتحول التعامل معه إلى مساحة للمماطلة أو التعطيل فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن هي أن قواعد اللعبة السياسية نفسها قابلة للتعليق متى ما تعارضت مع مصالح القوى المتنفذة،
إن الفارق العميق بين نموذج الاعتذار عن خمس دقائق ونموذج التسويف السياسي لا يتعلق بتقدم دولة وتأخر أخرى فقط بل يتعلق بما يمكن تسميته أخلاق الدولة ، فالدول التي نجحت في بناء مؤسسات مستقرة لم تفعل ذلك عبر القوانين وحدها بل عبر ترسيخ ثقافة عامة تعتبر المسؤولية العامة أمانة ثقيلة، في هذه الثقافة يصبح الاعتذار فضيلة سياسية ويصبح التقصير سبباً للمحاسبة ويصبح احترام الوقت جزءاً من احترام المجتمع نفسه ، اما الطريق نحو بناء هذه الثقافة في العراق أو في أي بلد يعاني من أزمة مماثلة، فلا يمر عبر الوعظ الأخلاقي فقط، بل عبر ثلاث مسارات متكاملة ، أولها تعزيز دولة القانون بحيث يصبح خرق الدستور أو تعطيل المؤسسات فعلاً مكلفاً سياسياً وقانونياً، وثانيها بناء تقاليد مؤسسية صارمة داخل البرلمان والحكومة تجعل الالتزام بالمواعيد والإجراءات أمراً غير قابل للمساومة، أما المسار الثالث فهو ترسيخ وعي مجتمعي رقابي يدرك أن المنصب العام ليس امتيازاً يمنح صاحبه سلطة بلا حدود بل وظيفة عامة يُحاسب عليها ،فالدول لا تنهض فقط عندما تمتلك الموارد أو القوانين بل عندما تتشكل فيها قناعة عميقة بأن السلطة مسؤولية قبل أن تكون نفوذاً، وعندها فقط يمكن أن تصبح خمس دقائق سبباً للاعتذار لا لأن الزمن ثمين فحسب بل لأن كرامة الشعب أثمن من أن يُستهان بوقته اختم باقتراح ان يتم توجيه دعوة للوزيرة اليابانية بتقديم محاضرة توعوية حول أخلاقيات المنصب وكيف يحترم المسؤول الزمن و الوطن والمواطن .