يبلغ عدد "المحرومين" في العراق 9 ملايين شخص. هذا ما يقوله السيد مهدي محسن العلاق، وكيل وزارة التخطيط رئيس الجهاز المركزي للاحصاء، الذي بيّن ان قياس الحرمان يعتمد على "مؤشرات" يفهم من كلامه انها محددة و موضوعية و قابلة للقياس، وهي: الوضع الاقتصادي، التعليم، الصحة، البنى التحتية، السكن، الحماية، الامان الاجتماعي. وبموجب هذه المؤشرات، فان نسبة الفقر في العراق تبلغ 23 بالمئة، حيث يكون الفرد تحت مستوى الفقر اذا كان معدل دخله 77 الف دينار فما دون.
تستطيع ان تتصور حال الملايين التسعة من المحرومين العراقيين: فهم محرومون من مياه الشرب، والخدمات الصحية، والغذاء اللازم، والمدارس، والسكن، والملابس، والدخل. تستطيع ان تتخيل اشكالهم، بملابسهم الرثة، ووجوههم الكالحة التي تكشف عن نقص بالتغذية وامراض غير مشخصة من قبل طبيب، وبيوتهم الخربة التي اشادوها من الطين والصفيح او بقايا الاماكن المهجورة، و"شوارع مدنهم" الاسنة، حيث يلعب الاطفال المحرومون مع الجراثيم والبكتريا!!
هؤلاء محرومون من كل شيء، حتى من التغطية الاعلامية والصحافية. فكم مرة كان مانشيت "الصباح" او غيرها يتحدث عنهم، وكم مرة تسللت اخبارهم الى الصفحات الاولى، بل كم مرة قرأنا او سمعنا شيئا عنهم في اية وسيلة اعلامية؟ هؤلاء هم المسكوت عنهم، او اللامفكر فيهم. فغير المحرومين من المواطنين في شغل شاغل عن هؤلاء، فرحين بما آتاهم المجتمع او الظروف من خير نعيم. فما شأنهم وشأن اخوانهم الذين حرمتهم نفس الظروف ونفس المجتمع من ابسط مستلزمات الحياة، ورمتهم تحت مستوى الفقر!
هؤلاء المحرومون هم بيئة صالحة لزراعة الارهاب والتخلف والظلامية والاجرام، مع كل التقدير والاحترام لمقولات كارل ماركس وانجلز ولينين وتوينبي عن البروليتاريا والبروليتاريا الرثة. لا يوجد الامن والوعي السياسي والثقافة السليمة حيث يوجد الحرمان والفقر.
هؤلاء المحرومون لا يتحملون مسؤولية حرمانهم، وان كان ولا بد من مسؤولية، فلعلهم يتحملون جزءا يسيرا من هذه المسؤولية. يولد اغلب هؤلاء محرومين بالفطرة والولادة والطبيعة والنشأة والتكوين. فلا احد يختار ان يكون محروما.
ان الذين تبوأوا مناصب خاصة يتلقون عنها رواتب مجزية، امثالي وامثال غيري من الكثيرين بدءا من رئيس الجمهورية وانتهاء باخر مدير عام مرورا بكل الوزراء والنواب والوكلاء ومن هم بدرجتهم، لم يحقق هؤلاء ذلك بجهدهم وعملهم فقط، بل ان عوامل عديدة شتى اسهمت في ذلك. والراتب المقرر، في حـقـيـقـته، مكافأة للمنصب والدرجة، وليس ثمنَ العمل المؤدى والجهد المبذول والقيمة المضافة.
الدولة والمجتمع هما الطرفان المسؤولان عن حرمان هؤلاء، ورفاهية اولئك. ومن هنا نقول ان العدالة لا تعني فقط اعطاء كل ذي حق حقه، ولا تعني المساواة في الحقوق والواجبات فقط، انما تعني اعطاء الاولوية للمحرومين، لأن ازالة الحرمان والقضاء عليه هو الهدف الاول والاكبر للعدالة. فلا عدالة حيث يوجد حرمان، ولا مساواة حيث يوجد محرومون. وحين يوجد الحرمان والمحرومون فهذا يعني انه لا الدولة ولا المجتمع قاما بعملهما واديا وظيفتهما بشكل سليم.
الدولة و المجتمع مسؤولان عن ازالة الحرمان من المجتمع. جوهريا، بتوفير فرص عمل منتجة عن طريق القطاع الخاص او مشاريع الدولة العمرانية، وليس بالوظائف الادارية والبطالة المقنعة. والى ان يتوفر ذلك، فان الدولة والمجتمع مسؤولان عن توفير مستوى العيش اللائق، فوق خط الفقر، على قاعدة الضمان الاجتماعي والتكافل الاجتماعي، والحق المعلوم للسائل والمحروم. وقبل هذا وذاك، فان الدولة مسؤولة عن توفير الخدمات الاساسية لهؤلاء باسرع ما يمكن تصوره.
___________
* مقال قديم قبل ١٥ سنة