لا اعرف لماذا قبل العرب التعامل مع العراق وكأنه جامايكا، كأنه بلد بعيد لا ينتسب الى العالم العربي، وليس جارا لاربعة بلدان من بني قحطان وعدنان، ولا كعضو مؤسس لأقدم منظمة اقليمية هي الجامعة العربية، ولا كمركز رمزي للحضارة العربية الاسلامية في ازهى عصورها.
ولقد درت في اوقات مختلفة بين معظم الدول العربية، واشعرني الناس في جميع تلك البلدان بأن عراقيتي امتياز نابع عندهم من القلب. حتى في الكويت، وهي البلد التي نالها منا ما نالها، شعرت بذلك. بل لعل الهوى العراقي هناك اقوى من اي مكان آخر. حتى ان حفلة خاصة جمعتنا، نحو 3 عراقيين بين عرب كثيرين في منزل بالكويت بعد الغزو باعوام قليلة، فاذا بمعظم اغاني الفرقة الكويتية في الحفلة عراقية، من يوسف عمر الى حسين نعمة. حتى ان مغنيهم انتبه الى ذلك فقال على سبيل التندر: يا جماعة اليوم الصرب مسيطرين خل نرجع للبوسنة!
وفي يوم من الايام كنت في المنامة، طالعا من ليلة سمر، انادي وانا في رحبة سيارات على صديق، فتبين اربعة رجال لهجتي العراقية، وكانوا منتشين، فاذا بهم يدورون حولي راقصين وهم يغنون: «خالة شكو شنها الخبر دحجيلي.. فدوة رحتلج ليش ما تحجيلي»، وظلوا كذلك الى ان اتوا على اخر الاغنية. وطبع كل منهم قبلة على راسي ومضوا. وكانوا سعوديين
اما في الشام التي عشت فيها لعامين ونصف فقد ولد ابني زيد، وكان حبيب الجيران في العمارة ذات الطوابق السبعة، كان زيد « العراقي» محمولا على الأكف وكأنه بطل. وكان العراقيون ندرة في الشام. وكان طفلا لم يشعر بذلك النعيم، وهو اليوم يلومني لأني لم اصبر وانجبته في دمشق، وللأسف فان اسم هذه العاصمة الحبيبة في جواز السفر، ولو كان بريطانيا، لا يسهل الامور في مطارات الغرب. والحظ يجعل شركته، مثلا، تحجز سفرته المقبلة الى تكساس في موعد يصادف 11 سبتمبر!
اما العواطف تجاه العراق في بلدان المغرب العربي فهي من نوع غاية في الكرم. وكل هذا يسري بين الشعوب العربية سريانا لا يجد ما يكافئه او يعادله لدى حكوماتهم. ولا اظن ان ذلك امر صحيح بمنظور السياسة ولا بمنظور الاقتصاد، ناهيك بمنظور الثقافة.
ما المصلحة الخليجية او العربية مثلا في موقف السكون امام تجليات عمل ارادة النظام الحاكم في ايران لجعل العراق اداة في صراعها مع دول الاقليم؟ ما مصلحة الجيران في عدم استقرار الجار؟ هل من الامن القومي للجوار استمرار الصراعات الطائفية في العراق؟ لماذا تغامر دول بعيدة مثل الصين وترمي بثقلها للاستثمار في هذا البلد، بينما تكتفي البلدان العربية بالفرجة او بالخوف الذي يقعدها عند مجرد « اتقاء الشر»؟ وهل من المصلحة للعرب في شيء بأن يشعر العراقي أن اشقاءه يجعلونه متروكا لقدره؟
مرت سبع سنوات عجاف على العراق ولم يظهر عند العرب اهتمام. ومر على العراق اقسى حصار عرفه التاريخ وسط لامبالاة عربية. مثل هذا الموقف لم يوجد، مثلا، تجاه لبنان، لا خلال حربه الاهلية ولا بعدها. فقد كان هناك على الدوام اهتمام عربي يعبر عنه بصور كثيرة في لبنان، بلغ اوجه فيما عرف باتفاق الطائف الذي وضع نهاية الحرب الاهلية اللبنانية.
هل السبب يعود لأهل العراق؟ ربما. من لا يستطيع تقدير مصلحته لا يستطيع الاخرون ان ينوبوا عنه. لا يوجد بلد يشتغل نائبا عن بلد آخر. وليس هذا هو المطلوب وانما المطلوب ان يكون العراق هما من هموم العرب.