محنة الرجل الذي يخطئ في النحو
18-أيار-2026

محمد الكاظم


القى رئيس الوزراء خطابه الأول أمام الملأ، ثم ظهر في اجتماع لمجلس الوزراء مُصدرا توجيهاته الأولى لطاقمه الحكومي. بمعنى أننا رأيناه مرتين خلال 24 ساعة.
أثار الخطاب الأول الكثير من اللغط على مواقع التواصل الاجتماعي لأن الرئيس وقع ببعض الأغلاط النحوية والصرفية أثناء القراءة. فتربص البعض بتلك الأغلاط ولاموه عليها. (في الحقيقة كانت الأغلاط كثيرة جداً). لكنه ظهر في المرة الثانية بصورة أفضل وهو يتحدث مع الوزراء، بل انه ترك انطباعا بجديته وحزمه.
كمتابع للظهور الأول للسيد الزيدي سجلت عدة ملاحظات.
أولا: هذا خطابه الأول، والرجل غير معتاد على الظهور التلفزيوني، ومن الطبيعي أن يخونه التماسك في بعض الأوقات. وطالما رأيت خلال عملي في الصحافة التلفزيونية شخصيات من عيار ثقيل من سياسيين مفوهين وأكاديميين معتادين على مخاطبة الجمهور، لكنهم يرتجفون (حرفياً) أمام الكاميرا ويفقدون اتزانهم. ويعرف اغلب الزملاء العاملين في مجال البرامج والأخبار أن هناك لحظة شعور بالقلق تساورهم دائما قبل الظهور على الشاشة، تلك اللحظة لا تزول حتى لو مرت سنوات من العمل. ضع نفسك مكان الرجل وتخيل أن تكون أول إطلالة لك على الشاشة هي أن تظهر كرئيس وزراء.
ثانياَ: الرجل لم يقدم نفسه كخطيب بارع ولم يقدمه أحد بهذه الصفة، ولم يكن الرجل يعبأ بالخطب فهو يعمل في مجال التجارة ولغة التجارة لغة متحفظة دقيقة ليس فيها فائض ألفاظ ومحسنات لفظية وبلاغة زائدة. ولم يأت الرجل من وسط سياسي ليكون مجهزاً لمثل هذا الموقف.
دعونا من المؤهلات السياسية و(المسيرة النضالية) للرجل، فنحن نعرف جميعاً تواضعها مقارنة بأجيال سبقته، ولنطرح سؤالاً عن المواصفات الشخصية. فهل كانت (اللغة) ضمن اهتمامات الزيدي الشخصية؟
الإجابة هي: لا.
فلا يمكن مقارنته من ناحية اللغة والقدرة على الخطابة والارتجال بخطيب ومؤلف بارع كإبراهيم الجعفري، ولا يمكن مقارنة قدراته النحوية بقدرات رجل متحدث جيد لديه ماجستير في اللغة العربية مثل نوري المالكي، ولا بقدرة كاتب في علوم القرآن مثل حيدر العبادي، ولا بكاتب وباحث ومؤلف وناشر كعادل عبد المهدي الذي كان يكتب الكتب والمقالات اليومية لزمن طويل، ولا بمحمد شياع السوداني الموظف المسلكي الذي نمت قدراته الخطابية والإدارية في مؤسسات الدولة ووزاراتها. ومن الملاحظ أن هذه الأسماء خرجت من أحزاب إسلامية تعنى باللغة وحفظ القرآن الكريم وضبط الألفاظ، كما خرجت من أجواء المنابر، ما ساهم في حفظ لغتهم وصقلها. بل لا يمكن مقارنة قدرات الزيدي البلاغية حتى بمصطفى الكاظمي الذي كان هو الآخر صحفياً معتاداً على الكتابة والظهور الإعلامي وكان رئيس تحرير مجلة طبعت بضعة أعداد. ولا يمكن مقارنته حتى برجل مثل أياد علاوي الذي يحمل تاريخاً سياسياً يضاف له أريحية وتبسط البغداديين، وفوق ذلك كان له صحيفة تنطق باسم حزبه. ومع ذلك كان الجميع يخطئون في النحو أحيانا.
أغلب هؤلاء الذوات تعاملوا طويلاً مع اللغة العربية بنحوها وصرفها وبيانها وبديعها وكناياتها واستعارتها ومجازها وجناسها وطِباقها وتصريحاتها ومانشيتاتها وسردياتها. لكن صاحبنا الزيدي لم تتوفر له هذه الخلفية. وبدا لي في بعض اللحظات أقرب الى (مگاريد) محمد غازي الأخرس، رغم امتلاكه مصرفاً وثروة طائلة لا يعرف حجمها سوى الله كما يقال. وهو يُقدَم الآن على أن مصدر قوته يأتي من آلته الحاسبة، وليس من (آدب الكاتب) لابن قتيبة الدينوري. وبرنامجه المفترض يقوم على معرفته بصواميل النظام وتروسه وليس على (ديوان الحماسة) و(خصائص ابن جني) ومتن الأجروميّة، ومجال عمله هو الرز والمعجون والطحين، وليس ما ورد في كتاب (البيان والتبيين).
ولا تنسوا أننا كنا نسخر من فائض البلاغة في خطابات تتحدث عن (القمقم والمارد المعنوي) و(شهونة العقل وعقلنة الشهوة) و(الكونفشيوسية) رغم علمنا بأن بعض ما يقوله الرجل كان سليماً. لكن بلاغته كانت أكثر مما نطيق.

أقول: لم نكسب الكثير من جماعة البلاغة!
فدعونا نجرب جماعة الأرقام
ثالثاً: لقد طغت لَكنةُ الرئيس المحلية (لهجة بعض مناطق الشطرة) على خطابه بالفصحى، بينما اختفت تلك اللكنة من حديثة باللهجة الدارجة مع الوزراء، وهذا شيء هام قد لا يدركه كثيرون إلا بعد تدقيق، ولن يلمسه إلا من سمع عن قرب عدداً من لهجات بعض مناطق الجنوب، فلكل منطقةٍ لَكنةٌ معينة وطريقة تنغيم داخل اللهجة نفسها، فما بدا أغلاطاً صرفية، هي في الأصل طريقة نطق أبناء تلك المناطق للكلمات. (استمعوا للكنة أبناء بعض عشائر مدينة الشطرة والغراف ستعرفون ما أعنيه). لقد تحدث الرجل بلهجة أهله، وهذا لا يعيبه. كما لا يعيب رئيس الجمهورية أن يتحدث بلغة عربية يتسلل لها جِرس اللغة الكردية بلهجة أهله البادينانيين، ولا يعيب رئيس البرلمان حضور لكنة أهله في ناحية (الگرمة) في لغته العربية.
رابعاً: كان من الواضح أن الزيدي لم يكن مرتاحاً في خطابه الرسمي الأول لأنه كان مضطراً للحديث بالفصحى فارتكب مجزرة نحوية وصرفية بمعايير أهل اللغة، لكنه حين تكلم في اجتماع مجلس الوزراء باللهجة الدارجة المعتادة كان واضحا وحازما ودقيقا، كما رأيناه على الشاشة، لأنها اللهجة التي يدير بها أعماله ويخاطب بها من يتعامل معهم. فالرجل قادم ليدير مؤسسات دولة لا مَجمَعاً للغة أو منتدى للشعر أو مدرسة للخطابة. وهذا هو بالضبط ما يجب أن ننتظره منه، الإنجاز. ثم الإنجاز. ثم الإنجاز.
دعوني أذكّركم بمؤتمرات القمم العربية، واستعيد معكم مستوى الأداء اللغوي المُحبِط لزعماء العالم العربي، رغم وجود جيوشٍ من موظفي وزارات الإعلام ومُعدي الخطابات ومدربي الألقاء. بعض أولئك الرؤساء لا يمكن فهمهم، ناهيك عن التعرف عن مستوى إجادتهم للنحو والصرف.
أقول: نعم يا أصدقائي لقد ارتكب الرجل مجزرة لغوية بمعايير النحاة الكوفيين والبصريين، ونعم إن اللغة العربية مهمة، ونعم إن عدم إجادتها تخدش كاريزما الزعماء والقادة، نعم انه يحتاج للتدريب على الإلقاء، نعم ان اختياره كان خارج حساباتنا وتوقعاتنا، كل ذلك أقبلُه، واقبل رغبتكم في التشفي من الطبقة السياسية، كما أتفهم الارتياب الناجم عن ملابسات تشكيل هذه الحكومة والصفقات التي دارت حولها، لكن إجادة اللغة الفصحى المعيارية المنبرية ليست هي الفيصل في تقييم المسؤول. فدعونا ننتظر عمله ثم نحكم عليه.

فما زال هناك الكثير من التحديات التي سيواجهها الرجل، والمستقبل حافل بالدراما كما أرى.
ليس ما أقوله شيكاً على بياض لهذه الحكومة، وليس دفاعي عن الزيدي في خطابه الأول هو بيان بيعة، لكنني أقول، انتظروا قليلاً، فما أريده وتريدونه من هذه الحكومة أكبر من إجادة رئيسها النحو والصرف.
أنا أريد وظائف وسكناً وخدمات وكهرباء ومدارس ومستشفيات واقتصاداً منتعشاً وإعلاماً نزيهاً، وإدارة عصرية، ومؤسسات مالية موثوقة، وبنايات حكومية آدمية، وموظفين حكوميين يحترمون كرامة الإنسان، وحكومة تصبح جهاز إدارة للموارد لا جهاز جباية للضرائب، وأريد أن نحمي بلدنا من الصدمات العالمية والإقليمية. وأريد أن نكون بلداً كريماً فاعلاً وأن نخرج من خانة المفعول به، أو نائب الفاعل، أو شبه الجملة التي لا محل لها من الإعراب.
أريد أن تهتم الدولة بفضح الضمائر المستترة! أكثر من الاهتمام بإعراب الضمائر المستترة، وأريدها أن تكسر يد النصابين وتجفف أدوات النصب من المؤسسات فهذا أهم من عمل أدوات النصب على الفعل المضارع في الكتابات. وأريدها ترفع الحيف عن ابن البلد ويسمى (مُواطنها) وتسهل حياته وتضمه الى قلبها، وتهتم بصينية عشائه وثياب أطفاله وأقساطه أكثر من أن (ترفع الأول ويسمى اسمها وتنصب الثاني ويسمها خبرها)
فرفع الحيف عن المواطن أهم بالنسبة لي من رفع الفاعل ونصب المفعول، و(لا) الناهية عن الفساد أهم من (لا) النافية للجنس. ومنع التعدي على الأملاك العامة والحصول على ثلاثة رواتب، اهم من تعدي الفعل لثلاثة مفاعيل، وجَر سراق المال العام الى السجون بالقانون أهم من جر الأسماء بحروف الجر. والحَزم في إدارة المؤسسات أهم من الانشغال بالجَزم في الجملة الفعلية. والاهتمام بتفكيك الإقطاعيات المالية والسياسية اهم من الاهتمام بالمحسنات اللفظية.
فنحن نبحث عن رئيس للوزراء لا عن (أمير الشعراء)!
ونبحث عن (موطني...) لا عن (مَفاعِلُن...)

تحرك نيابي لإقرار "الدخول الشامل"
7-أيار-2026
قاليباف: حصار واشنطن الاقتصادي يهدف لتفكيك لتفكيك إيران من الداخل
7-أيار-2026
وزير التخطيط: العراق يقترب من «الهبة الديموغرافية»
7-أيار-2026
أكثر من 40 مليون برميل من نفط العراق عالقة غرب هرمز
7-أيار-2026
صعود الزيدي إلى رئاسة الوزراء: تسوية سياسية أم إعادة تدوير للنفوذ بين واشنطن وطهران؟
7-أيار-2026
«كابينة الزيدي» تدخل نادي المغانم: «مناصب ترضية» وحراك لتمرير كابينة الـ 14 وزيراً قبل موسم الحج
7-أيار-2026
حصاد وفير ومخاوف متصاعدة: هل تنجح الحكومة في تسويق الحنطة وصرف مستحقات الفلاحين؟
7-أيار-2026
حضور فاعل لشخصيات ثقافية مرموقة في أروقة الدار العراقية للازياء
7-أيار-2026
مخيم الجدعة يختبر قدرة العراق على إنقاذ جيل نشأ في العزلة
7-أيار-2026
سلة دجلة: الموسم الحالي استثنائي وقد يشهد أخطاءً قابلة للتصحيح
7-أيار-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech