بغداد – العالم
دخل العراق مرحلة أمنية وسياسية جديدة عقب اكتمال انسحاب القوات الأجنبية وإنهاء مهمة التحالف الدولي، في وقت برز فيه ملف حصر السلاح بيد الدولة بوصفه أحد أبرز الاختبارات أمام الحكومة والقوى السياسية، وسط تباين واضح في مواقف الفصائل المسلحة بشأن التوقيتات والآليات المطروحة لمعالجة الملف.
وتابعت «العالم» التطورات المتسارعة التي أعقبت انتهاء الوجود العسكري الأجنبي، إذ أعلنت جهات من الفصائل المسلحة رفضها الالتزام بأي توقيت تفرضه الحكومة أو القوى السياسية بشأن السلاح، في مقابل مواقف أخرى أعلنت وقف العمليات العسكرية وفتح الباب أمام استئناف الحوار مع الحكومة للوصول إلى تفاهمات جديدة.
وأعلن المتحدث باسم «المقاومة الإسلامية في العراق» جعفر الحسيني أن الفصائل غير ملزمة بأي توقيت أو اتفاق يصدر عن طرف حكومي أو سياسي بشأن سلاحها، مشيراً إلى أن المفاوضات التي جرت خلال الفترة الماضية ركزت على تنظيم السلاح مقابل تحقيق ما وصفه بالسيادة العراقية الكاملة وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن هذا الموقف يمثل تحدياً أمام المسار الحكومي الذي يربط بين انتهاء الوجود العسكري الأجنبي والانتقال إلى مرحلة تنظيم السلاح ضمن مؤسسات الدولة، فيما تؤكد الحكومة أن معالجة الملف ستتم عبر خريطة طريق وجداول زمنية محددة.
وفي المقابل، أعلنت كتائب حزب الله إيقاف عملياتها العسكرية والأنشطة اللوجستية المتحركة داخل العراق، باستثناء ما يتعلق بالتصدي للطيران الذي تعتبره منتهكاً للأجواء العراقية، إلى حين استكمال قدرات الدفاع الجوي الحكومية.
ورصدت «العالم» في بيان الكتائب لهجة أكثر انفتاحاً على الحوار، إذ أكد أنصاره عدم وجود اتفاق نهائي مع الحكومة حتى الآن، مع الإشارة إلى إمكانية إعادة التفاوض للوصول إلى صيغة جديدة تحفظ حقوق الأطراف، فضلاً عن التأكيد على ضرورة توحيد قرار السلم والحرب.
ويضع هذا التباين الحكومة أمام مسارين متوازيين: الأول سياسي يقوم على مواصلة الحوار مع الفصائل والقوى السياسية للوصول إلى اتفاق بشأن السلاح، والثاني أمني يتعلق بضمان عدم تحول مرحلة ما بعد الانسحاب إلى فراغ يمكن أن تستغله جماعات مسلحة أو خلايا تنظيم داعش.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن انتهاء مهمة التحالف الدولي يزيل إحدى الحجج التي استخدمتها بعض الفصائل لتبرير استمرار حمل السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، في حين ترى فصائل أخرى أن قرار الاحتفاظ بالسلاح يرتبط بمفهوم أوسع للسيادة وقدرة الدولة على حماية البلاد.
وأكدت أطراف سياسية أن المرحلة الجديدة تتطلب تفاهمات عراقية داخلية، بعيداً عن التأثيرات الخارجية، للوصول إلى صيغة تضمن حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد حدد حزيران 2027 موعداً مستهدفاً لاستكمال مسار حصر السلاح، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية ووفق آليات قانونية وسياسية، فيما سبق أن أكدت قوى سياسية رئيسية ضرورة أن يكون السلاح تحت سلطة المؤسسات الرسمية.
وتشير المعطيات التي رصدتها «العالم» إلى أن نجاح هذا المسار سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة على الجمع بين الحوار السياسي والإجراءات الأمنية، ومنع انتقال الخلاف بشأن السلاح إلى مواجهة داخلية.
وفي المقابل، حذر مختصون بالشأن الأمني من أن أي فراغ أمني في مرحلة الانتقال يمكن أن يوفر فرصة لخلايا داعش أو جماعات أخرى لإعادة تنظيم نشاطها، ولا سيما في المناطق التي ما زالت تتطلب جهداً أمنياً واستخبارياً متواصلاً.
وفي ختام مرحلة «العزم الصلب»، أكد التحالف الدولي انتقال علاقته مع العراق إلى أطر ثنائية جديدة، مع استمرار دعم بغداد في مجالات التدريب وتبادل الخبرات ومكافحة الإرهاب، بالتزامن مع تأكيد المسؤولين العراقيين أن القوات الوطنية أصبحت تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية البلاد.
وبذلك، يجد العراق نفسه أمام مرحلة مختلفة عنوانها تثبيت السيادة، وتوحيد القرار الأمني، وحسم العلاقة بين الفصائل المسلحة ومؤسسات الدولة. وبينما تمثل نهاية الوجود العسكري الأجنبي محطة مهمة في هذا المسار، يبقى الاختبار الأبرز أمام الحكومة هو تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية، وصولاً إلى دولة يكون فيها قرار السلاح والحرب والسلم بيد مؤسساتها الدستورية.





