د. أحمد فاتح محمد
تحت لافتة براقة عنوانها إنقاذ نفط العراق والهروب من فخ مضيق هرمز، أغلقت الأبواب في الغرف الدبلوماسية الممتدة بين واشنطن ودمشق وبغداد على واحدة من أكثر الصفقات الإقليمية إثارة للجدل والغموض. فالمشروع الذي يُروج له كطوق نجاة لاقتصاد العراق المهدد بالاختناق في مياه الخليج، لا يعدو في كواليسه كونه مقايضة سياسية معقدة. اشترت فيها دمشق بطاقة عودتها إلى الحظيرة الدولية، بينما وُضعت خزانة العراق ونفطه كضمانة لتسديد الفاتورة. في الظاهر تبدو الصفقة إنجازاً استراتيجياً لا يمكن رفضه، فالعراق الذي يعتمد بأكثر من 85% من موازنته على موانئ البصرة المهددة باشتعال الخليج، وعد بمنفذ حر على البحر المتوسط يضخ ما يزيد على مليون برميل يومياً عبر خط أنابيب كركوك – بانياس. قدم المشروع لبغداد محاطاً بوعود تنموية كبرى: خفض تكاليف الشحن، إلغاء رسوم قناة السويس وأقساط التأمين ضد الحرب، فضلاً عن إعادة إعمار المحافظات الغربية والشمالية في نينوى والأنبار وصلاح الدين، وربطها بمحطات ضخ وبنى تحتية توفر آلاف الوظائف في مدن ما تزال تنزف من آثار الدمار. لكن كالعادة الشيطان يكمن في تفاصيل الكواليس التي بلورها المبعوث الرئاسي الأمريكي توم باراك بالتنسيق بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي. فخلف ستار إعادة التأهيل بكلفة 15 مليار دولار، برز تحالف شركات تحوم حوله علامات استفهام دولية. حيث تصدرت شركة TI Capital—المرتبطة بالدائرة التجارية الخاصة لباراك—واجهة المشروع إلى جانب عملاق الطاقة شيفرون، في مشهد أثار شبهات واسعة حول تطويع الدبلوماسية لخدمة شبكات استثمارية خاصة، وتمرير تعاقدات سيادية عبر مذكرات تفاهم تنفيذية قفزت عمداً فوق البرلمان العراقي ومحددات المادتين (110) و(111) من الدستور المنظمتين لإدارة الثروات القومية.
والأخطر من ذلك هو ميزان التنازلات الميداني فقد أدركت القيادة في دمشق اللعبة مبكراً، وقدمت لواشنطن التنازل الوحيد الذي تملكه: الموافقة على عزل الفصائل، وتفكيك خطوط الإمداد العسكري غير النظامية على الحدود، وتسليم ممرات الطاقة للشركات الغربية، مقابل فك العزلة السياسية واستعادة الاعتراف الدولي والتدفقات المالية. في المقابل تركت حكومة الزيدي وحيدة في مواجهة الكلفة الباهظة. فالعراق لن يكتفي فقط بتحمل المخاطر الائتمانية والتمويلية لمليارات التأهيل، ودفع رسوم مرور (ترانزيت) سيادية دائمة لدمشق عن كل برميل يعبر أراضيها، بل وجد نفسه مطالباً بخوض معركة أمنية داخلية دامية لحراسة مئات الكيلومترات من الأنابيب في صحراء مكشوفة، والصدام المباشر مع شبكات السلاح المحلي لفرض نزع سلاح المثلث الحدودي.
تتحول صفقة بانياس في جوهرها إلى فخ جيوسياسي محكم دمشق حصدت الشرعية السياسية بلا أعباء مالية، وواشنطن أمنت مصالح شركاتها وأعادت رسم الخريطة الأمنية للمنطقة، بينما وجد العراق نفسه يدفع من ثروته وأمنه الداخلي ثمن تسوية إقليمية كتبت نصوصها لإنقاذ الجميع.. باستثناء بغداد.


