د. مجاهد أبوالهيل
قبل فترة كنت ضيفاً في بودكاست زوايا الذي يقدمه من مدينة الفن الإعلامي سرمد اليساري، وفتح شهيتي للكتابة عن موظف الحزب وموظف الدولة بعد سؤال له يقترب من هذا الموضوع الخطير الذي أعاق مشروع بناء الدولة بشكل كبير بمساهمة منا جميعاً كموظفين حاليين أو سابقين.
ما حصل معي مؤشر واضح على غلبة موظف الحزب على حساب موظف الدولة، فبعد عدة مناصب شغلتها بين صغيرة وكبيرة طوال سبعة عشر عاماً من الخدمة الفعلية الوظيفية، وجدت نفسي وما تراكم من خبرتي خارج دكة الاحتياط بلا عمل وبلا تقاعد وبلا حقوق، وكان السبب واضحاً بالنسبة لي، فبعد آخر وظيفة شغلتها، وكانت عضوية مجلس المفوضين في هيئة الإعلام والاتصالات، وصلت لها في حكومة مصطفى الكاظمي دون رافعة حزبية، إذ كانت تربطني به علاقة صداقة، وكان يعرف جيداً كيف تم إخراجي من رئاسة شبكة الإعلام العراقي من قبل المحسوبين على أحزاب السلطة التي خرجت عن بيت طاعتها في أكثر من مناسبة. بعد هذه الوظيفة التي أخرجني منها الصديق السابق المهندس محمد شياع السوداني، الذي تسلم حكومة محاصصة مباشرة، قامت باستبدال كل موظف مستقل يشغل موقعاً رفيعاً بآخر حزبي، كنت واحداً من هؤلاء الضحايا الذين قذفت بهم ماكينة أحزاب السلطة خارج الوظيفة.
ليس أخطر على الدولة من أن تتحول مؤسساتها إلى ملاحق للأحزاب، وأن يصبح الموظف العام جندياً في معركة حزبية بدلاً من أن يكون خادماً للمصلحة العامة. ففي اللحظة التي يتقدم فيها الولاء للحزب على الولاء للدولة، تبدأ المؤسسة بفقدان معناها الحقيقي، وتتحول من بيتٍ لجميع المواطنين إلى ملكية خاصة لجماعة سياسية أو فئة نافذة.
ورغم أن طريق الوصول إلى السلطة أصبح وعراً دون المرور بمسالك الأحزاب والقوى السياسية الحاكمة، إلا أن الخروج من هذا المسار نحو فضاء الدولة ليس بمستحيل، خصوصاً إذا استطعت أن تحافظ على نظافة ضميرك الوطني، وبخلاف ذلك سوف تتعثر لمرات عديدة إلى أن تسقط وتجر معك حلم بناء الدولة إلى الهاوية.
لا أنكر أني وصلت إلى عدة مناصب بعد أن ركبتُ قطار القوى السياسية -دون أن أكون حزبياً- لكنني نزلتُ منه بأول محطة بعد أن قرأت شروط بطاقة الصعود المشروطة بالولاء للحزب أو الطائفة وليس للدولة ومؤسساتها.
طوال مسيرتي في رئاسة شبكة الإعلام العراقي، وعضوية مجلس مفوضي هيئة الإعلام والاتصالات، ورئاسة مجلس أمناء الشبكة، حاولت أن ألتزم بمبدأ واحد لم أحِد عنه: أن أكون موظف دولة لا موظف حزب. لم أنظر إلى المنصب باعتباره مكافأة سياسية أو استحقاقاً تنظيمياً، بل مسؤولية وطنية تفرض عليّ أن أنحاز إلى المؤسسة وقوانينها ورسالتها، لا إلى الحسابات الحزبية وتقلباتها.
كنت أؤمن، وما زلت، أن المؤسسة لا يمكن أن تنهض ما دامت موزعة بين مراكز نفوذ حزبية. فالتكتلات الحزبية داخل أي مؤسسة ليست دليلاً على التنوع، بل علامة على ضعف الدولة. وعندما تتعدد الولاءات داخل المؤسسة، يصبح القرار موزعاً بين المكاتب السياسية، وتتحول الكفاءة إلى تفصيل ثانوي أمام معيار الانتماء. عندها لا يُسأل الموظف: ماذا أنجز؟ بل يُسأل: لمن ينتمي؟
لهذا كان جزء مهم من جهدي منصباً على حماية المؤسسات التي عملت فيها من سطوة التكتلات الحزبية، وعلى ترسيخ فكرة أن الموظف يجب أن يكون تابعاً للقانون والأنظمة المهنية فقط. كنت أرى أن نجاح المؤسسة يبدأ عندما يشعر العاملون فيها أن فرصهم مرتبطة بقدراتهم وإنجازهم، لا بقوة الجهة التي تقف خلفهم. أتذكر مرة كلفت أحد الموظفين برئاسة قسم المراسلين، وبعد صدور الأمر التنفيذي طلب مقابلتي ليخبرني بأنه من الطائفة الأخرى، لكونه يتصور أن هذا الموقع ليس من حصة طائفته، إذ كانت طائفتنا تحتكر كل المواقع المهمة في المؤسسة، فأجبته أني لا يهمني من أين أنت، إنما يهمني حجم طاقتك الإيجابية في العمل.
لكن هذه القناعة كانت تصطدم دائماً بمنطق آخر، منطق موظف الحزب.
وموظف الحزب ليس بالضرورة شخصاً سيئاً أو فاسداً، لكنه شخص جعل ولاءه السياسي فوق واجبه المهني. إنه ينفذ ما يريده الحزب قبل أن يسأل عما تحتاجه المؤسسة. يدافع عن مصالح الجهة التي دعمته أكثر مما يدافع عن المصلحة العامة. وحين يقع التعارض بين الحزب والدولة، يكون اختياره معروفاً مسبقاً.
الأخطر من ذلك أن موظف الحزب لا يعمل منفرداً. فهو محاط بشبكة حماية سياسية تمنحه الغطاء والدعم والاستمرار. قد يخطئ فيُحمى، وقد يفشل فيُبرر فشله، وقد يتجاوز حدود صلاحياته فيُغض الطرف عنه، لأن معيار الحكم عليه ليس أداؤه المهني، بل حجم خدمته للمشروع الحزبي.
أما موظف الدولة فغالباً ما يكون وحيداً. لا يملك سوى قناعته ومهنيته واحترامه لنفسه. ولذلك يصبح أكثر عرضة للاستهداف كلما ازداد تمسكه باستقلال المؤسسة. فالقوى التي تريد للمؤسسة أن تكون تابعة لا تنظر بعين الرضا إلى من يسعى لتحريرها من النفوذ الحزبي.
ولعل المفارقة المؤلمة أن الموظف الذي يحاول بناء المؤسسة قد يصبح أول ضحايا نجاحه. فكل خطوة باتجاه المهنية تعني تقليص مساحة النفوذ الحزبي، وكل قرار يستند إلى القانون بدلاً من الرغبات السياسية يعني سحب امتياز من جهة اعتادت أن تعتبر المؤسسة جزءاً من حصتها.
لهذا لم يكن خروجي من تلك المواقع مفاجئاً بالنسبة لي. فمن يختار أن يكون موظف دولة في بيئة يغلب عليها منطق المحاصصة الحزبية لا بد أن يدفع ثمناً. لكن المناصب، مهما علت، تبقى عابرة. أما الانحياز إلى الدولة والوطن فهو موقف أخلاقي وتاريخي يبقى شاهداً على صاحبه.
إن الدول القوية لا تُبنى بكثرة الأحزاب داخل مؤسساتها، بل بقوة المؤسسات نفسها. ولا تنهض عندما يزداد عدد موظفي الأحزاب، بل عندما يزداد عدد موظفي الدولة. فالأحزاب تتغير، والحكومات تتبدل، أما الدولة فهي الباقية. ومن يراهن على الدولة ربما يخسر منصباً، لكنه يكسب احترامه لنفسه واحترام التاريخ.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يواجه كل مسؤول وكل موظف عام: عندما يغادر موقعه، كيف يريد الناس أن يتذكروه؟ بوصفه موظف حزب خدم جماعته، أم موظف دولة خدم وطنه؟ ذلك هو الفرق كله.


