لغة البروفنسال “وطن” الشاعر الفرنسي ميسترال

هيئة التحريرمنذ 18 دقيقةآخر تحديث :
لغة البروفنسال “وطن” الشاعر الفرنسي ميسترال

إبراهيم العريس

يبدو الشاعر الفرنسي فردريك ميسترال (1830-1914) في زمننا هذا منسياً. وهذا على رغم أنه كان واحداً من أوائل الفائزين الفرنسيين بجائزة نوبل الأدبية، مع أن ذلك الفوز كان موضع غضب كثر من “التوحيديين” الفرنسيين بسبب نشاطات ميسترال اللغوية البروفنسالية التي كانت تسعى، في رأيهم، إلى فصل أقسام من الجنوب الفرنسي عن الوطن الأم، من طريق إبراز خصوصيات لغوية وغير لغوية، ما أثار حنق مناوئيه وجعل جائزة نوبل تبدو، إذ أعطيت له في موقف يساند انفصالاً ما في فرنسا.

 

صحيح أنه هو نفسه قد أوضح الأمور في ذلك الحين منكراً أنه يفكر في أي تقسيم لفرنسا أو انشقاق عنها، لكن كثراً من الفرنسيين ظلوا ينتقدونه و”نوبل” التي أعطيت له، حتى في أوساط الذين أحبوا شعره وعلاقته مع الطبيعة والتاريخ اللذين يعبر عنهما ذلك الشعر، ولا سيما قصيدتاه الكبيرتان “ميريو”، وبخاصة “كالندال” التي سنتحدث عنها هنا بعد سطور.

 

لكن لا بد من الإشارة أولاً إلى أن ميسترال قد كرس حياته لإحياء اللغة البروفنسالية، وهي أحد الصور الأدبية للغة الأوكسيتانية، التي كانت تتراجع أمام هيمنة الفرنسية في التعليم والإدارة والحياة الثقافية.

 

ومهما يكن من أمر، لم يكن ميسترال شاعراً فحسب، بل كان صاحب مشروع ثقافي متكامل، رأى أن الدفاع عن لغة المنطقة هو دفاع عن ذاكرتها وتقاليدها وهويتها. وهو عام 1854، شارك في تأسيس حركة “الفليبرج” (Félibrige)، التي سعت إلى إعادة الاعتبار للأدب البروفنسالي، واستعادة مكانته بوصفه لغة قادرة على التعبير عن التجارب الإنسانية الكبرى.

كان أبرز أعمال ميسترال، كما نوهنا أعلاه، قصيدته الملحمية “ميريو” (Mirèio)، التي نشرها عام 1859. وتروي حكاية حب مأسوية في البيئة الريفية البروفنسالية، مستحضرة طبيعة الجنوب الفرنسي وعاداته ومعتقداته. وقد أسهم إعجاب الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين بالعمل في انتشار شهرة ميسترال خارج حدود منطقته.

ولكن من أعمال ميسترال المهمة أيضاً قصيدته الملحمية “كالندال” (Calendal)، فضلاً عن معجمه الضخم للغة البروفنسالية، الذي جمع فيه مفرداتها وتنوعاًتها اللغوية، مؤكداً أن مشروعه لم يكن شعرياً فحسب، بل لغوياً وتاريخياً أيضاً. وفي عام 1904، نال ميسترال جائزة نوبل للآداب، حيث بدا تكريمه اعترافاً بقيمة شعره وأصالته، وبجهوده في صون التراث اللغوي والثقافي لمنطقته.

 

ولا بد من القول إن أهمية ميسترال تكمن في أنه جعل من المحلية طريقاً إلى العالمية، فلم ير في القرية والحقول والأغاني الشعبية عالماً ضيقاً، بل مادة أدبية قادرة على التعبير عن الحب والمصير الإنساني وجمال الطبيعة. وهكذا أصبح واحداً من أبرز رموز النهضة الثقافية الإقليمية في أوروبا خلال القرن الـ19. مما يعيدنا إلى ملحمته البديعة “كالندال” التي نشرت للمرة الأولى في عام 1866، وكانت من أبرز أعمال ميسترال التي ذكرتها لجنة نوبل عند منحه جائزتها الأدبية الكبرى في ذلك العام الباكر من القرن الـ20.

 

والقصيدة عبارة عن ملحمة يختلط فيها التاريخ بحسابات الحب والصراع السياسي بالوصول إلى الحدود القصوى في التفاعل مع الطبيعة والتمازج بين العناصر وآيات البطولة، وذلك بالتحديد على طريقة التروبادور، وبخاصة تلك التي يقوم فيها البطل برواية حكايته.

والحكاية هنا هي حكاية كالندال نفسه (كالنداو في اللغة البروفنسالية) الذي أعار الملحمة اسمه عنواناً لها، من ثم يتولى هو إخبارنا بما حدث له وهو الصياد المتجول عادةً في الغابات وفي الوديان والهضاب وبحار المناطق الجنوبية الفرنسية، وتعد عادة من أجمل المناطق الفرنسية وأكثرها احتفاءً بالنور والحياة.

وما يرويه لنا البطل هنا هو حكايته، بخاصة مع حبيبته الحسناء إستيريل التي كان أول لقاء بينهما حين لمحها في منطقة نائية من جبال تسمى العربية “جيبال” كأثر من آثار الوجود العربي القديم في تلك المنطقة من العالم.

لقد وقع كالندال كما يروي لنا بنفسه، إذا، في هوى إستيريل التي تحكي له حكايتها، وهي ذات الجمال الساحر إلى درجة أن أهل المنطقة يعتقدونها جنيَّة من السحرة. وما ترويه إستيريل يتعلق بعزلتها في ذلك المكان من العالم وهي في الأصل بارونة تعد الوريثة الأخيرة لأسرة نبيلة هي أسرة إيغلون المعروفة في مدينة “بو” البروفنسالية، التي كانت في الماضي تجسد القوة والمجد في تلك المدينة، لكن الكونت الشرير والغازي سيفران تمكن من السيطرة على المدينة كما على قصر أسرة إيغلون المنيف، وتمكن من أن يفرض خطبته لإستيريل، إذ فتنته جرأتها وجمالها. في البداية قبلت الفتاة بالخطبة، لكنها اكتشفت يوم العرس أن سيفران ليس في حقيقته سوى زعيم عصابة من اللصوص، يحمل تاريخه عدداً كبيراً من الجرائم. فما كان منها إلا أن هربت إلى تلك الجبال النائية، حيث تعيش الآن في تضافر حميم مع الحيوانات الضارية التي تحميها وتبجلها بوصفها ملكة المنطقة دون منازع.

 

وهكذا، إذ تروي إستيريل حكايتها لكالندال يحكي لها هو حكايته بدوره. وهو إذ يغرم بها يرضى أن يستجيب لشروطها ويكرس حياته لنيل رضاها وجعل نفسه جديراً بها.

وهكذا، من مغامرة إلى أخرى تتوالى القصائد الملحمية التي يروي كالندال لنا فيها مغامراته التي على رغم نجاحه فيها، تبقى إستيريل متمنعة عليه راغبة منه بمزيد مؤكدة له أن الثروات لا تثير اهتمامها ولا الانتصارات الجزئية، ولا حتى ركوب الأخطار، محدثة إياه عن إنجازات شعراء التروبادور التي تختلط فيها البطولات بآيات الغرام والتعانق مع الطبيعة وعناصرها، حاثَّةً إياه على سلوك تلك الدروب حتى يضحى جديراً بها.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!