إطفاء غرامات الكليات الأهلية.. تسوية ضريبية تفتح سؤال المحاسبة وحماية الطلبة

هيئة التحريرمنذ 45 دقيقةآخر تحديث :
إطفاء غرامات الكليات الأهلية.. تسوية ضريبية تفتح سؤال المحاسبة وحماية الطلبة

بغداد – العالم

أثار قرار حكومي يقضي بإطفاء الغرامات التأخيرية والمبالغ الإضافية المترتبة على الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية، مقابل تسديد أصل الضرائب المستحقة، جدلاً بشأن التوازن بين تعزيز الإيرادات العامة وتشجيع الاستثمار في التعليم الأهلي من جهة، وضمان عدم تحول الإعفاءات إلى مظلة للمؤسسات المخالفة من جهة أخرى.

 

وبحسب القرار، تتولى وزارة المالية إطفاء 100 بالمئة من المبالغ الإضافية والغرامات التأخيرية في حال تسديد أصل الضريبة خلال الأشهر الستة الأولى من صدوره، على أن تنخفض نسبة الإطفاء إلى 50 بالمئة عند التسديد خلال الأشهر الستة التالية.

 

ويرى أكاديميون واقتصاديون أن معالجة الملف لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الضريبي، خصوصاً أن بعض الغرامات ترتبط بمخالفات تعليمية وإدارية قد تمس حقوق الطلبة ومستوى المؤسسات الأكاديمية.

 

وقال الأكاديمي مصطفى كامل الشريفي، في تصريحات تابعتها «العالم»، إن تسديد الضرائب والرسوم يمثل التزاماً مالياً مستقلاً، بينما الغرامات الناتجة عن مخالفات التعليم تخضع لأساس قانوني مختلف، ما يستدعي عدم التعامل مع الأمرين باعتبارهما التزاماً واحداً يمكن إسقاط أحدهما مقابل تسديد الآخر.

 

وأوضح أن المخالفات التي سجلت على بعض المؤسسات الأهلية شملت، بحسب الحالات المعلنة، القبول خارج الضوابط، وتجاوز الطاقة الاستيعابية، واستحصال مبالغ خلافاً للتعليمات، إضافة إلى مخالفات تتعلق بالكوادر التدريسية وشروط الترخيص.

 

ورصدت «العالم» أن الجدل حول أداء بعض المؤسسات التعليمية الأهلية لم يبدأ مع القرار الأخير، إذ سبق أن أثيرت ملفات تتعلق بقبول أعداد تفوق الطاقة المحددة، ونقص الكوادر المتخصصة، ووجود تدريسيين من دون عقود أصولية، فضلاً عن مخالفات في أجور التدريب الصيفي.

 

وكشف النائب حيدر المطيري، في تصريحات تابعتها «العالم»، عن تسجيل مخالفات في عدد من الكليات الأهلية، بينها تجاوز النسب المسموح بها للكوادر التدريسية الخارجية، إلى جانب حالات قبول خارج منظومة وزارة التعليم العالي. وأشار إلى أن إحدى القضايا انتهت بفرض غرامة بلغت مليارين و187 مليون دينار على مؤسسة تعليمية، بعد تحقيق استمر لسنوات.

 

وتطرح هذه الوقائع سؤالاً أساسياً حول نطاق الغرامات التي يشملها قرار الإطفاء، وما إذا كانت مقتصرة على الغرامات والمبالغ الإضافية المرتبطة بالضرائب، أم يمكن أن تمتد آثارها بصورة غير مباشرة إلى عقوبات فرضت بسبب مخالفات تعليمية.

 

وأكد الشريفي أن أي تسوية حكومية ينبغي أن تكون مشروطة وشفافة، عبر تحديد المؤسسات المشمولة وطبيعة التزاماتها، ومعالجة المخالفات المسجلة بحقها، وتدقيق أوضاع الطلبة المتضررين، ووضع ضمانات تمنع تكرار التجاوزات.

 

وأضاف أن منح تسهيلات مالية للجامعات والكليات الأهلية يجب أن يقابله مردود واضح للطلبة، من خلال تحسين المختبرات والخدمات التعليمية، وتثبيت أو تخفيض بعض الأجور الدراسية، وتوسيع برامج المنح للطلبة المتعثرين، فضلاً عن ضمان حقوق التدريسيين والعاملين والالتزام بمعايير الاعتماد والجودة.

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي نوار السعدي، في تصريحات تابعتها «العالم»، أن القرار يمكن فهمه من زاوية مالية، باعتباره محاولة لتسريع تحصيل أصل الضرائب المتراكمة بدلاً من استمرار تراكم الغرامات وصعوبة تحصيلها، لكنه شدد على ضرورة معرفة حجم الأموال التي ستدخل فعلياً إلى خزينة الدولة.

وأوضح السعدي أن غياب بيانات معلنة عن إجمالي الغرامات المشمولة بالإطفاء وعدد المؤسسات المستفيدة يجعل من الصعب تقييم الكلفة الحقيقية للقرار، داعياً وزارة المالية إلى نشر أرقام واضحة بشأن حجم الضرائب المتوقع تحصيلها والقيمة الإجمالية للغرامات التي سيتم إطفاؤها.

وأشار إلى أن التعليم الأهلي يؤدي دوراً مهماً في استيعاب أعداد كبيرة من الطلبة، لكنه في الوقت نفسه يمثل نشاطاً اقتصادياً يعتمد على الإيرادات المتأتية من الأقساط الدراسية، وبالتالي فإن أهمية القطاع لا تعني إعفاء مؤسساته من المسؤولية المالية أو التنظيمية.

ويرى السعدي إمكانية ربط أي تسهيلات إضافية بالتزامات محددة، مثل تحسين جودة التعليم، وزيادة المنح للطلبة من ذوي الدخل المحدود، أو تخفيف الأعباء الدراسية في بعض التخصصات ذات الكلفة المرتفعة، بما يحول الإعفاء من منفعة مالية مباشرة إلى أداة لدعم التنمية البشرية.

وتبقى القضية الأهم في هذا الملف هي الفصل بين التسوية الضريبية والمحاسبة على المخالفات التعليمية، بحيث لا يؤدي تخفيف الغرامات المالية إلى إضعاف الرقابة أو إلغاء المسؤولية عن التجاوزات.

ورصدت «العالم» أن نجاح القرار لن يقاس فقط بحجم الضرائب التي ستدخل الخزينة، بل بقدرته على تحقيق معادلة أكثر دقة: دعم الاستثمار في التعليم الأهلي، وتعزيز موارد الدولة، وفي الوقت نفسه حماية حقوق الطلبة والحفاظ على هيبة القواعد الأكاديمية والرقابية، ومنع تحول الإعفاءات الاستثنائية إلى حافز لتأجيل الالتزامات بانتظار تسويات مستقبلية.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!