بغداد – العالم
يتجه العراق إلى إعادة بناء منظومة الدفاع الجوي بوصفها واحدة من أبرز أولويات المرحلة المقبلة، مع تحرك حكومي ونيابي نحو تعزيز قدرات القوات المسلحة وشراء منظومات حديثة متعددة المديات، في وقت تبرز فيه تركيا كأحد الخيارات المطروحة للتعاقد، إلى جانب كوريا الجنوبية وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة ودول أخرى.
ويأتي هذا التحرك في توقيت حساس بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية العراقية، بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، وما يرافق ذلك من حاجة متزايدة إلى الاعتماد على القدرات الوطنية في مراقبة الأجواء وحمايتها. وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن ملف الدفاع الجوي لم يعد ينظر إليه بوصفه جزءاً تقنياً من عملية إعادة التسليح فحسب، بل باعتباره أحد عناصر السيادة الوطنية وقدرة الدولة على حماية مجالها الجوي ومنشآتها الحيوية.
وتكشف التحركات البرلمانية والحكومية عن توجه لإعادة ترتيب أولويات التسليح، مع إدراج منظومات الدفاع الجوي ضمن احتياجات موازنة عام 2027، بالتوازي مع العمل على امتلاك طائرات مسيّرة واستطلاعية وقدرات رصد ومراقبة تعزز منظومة الدفاع العراقية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن بغداد تتجه للمضي في تعاقدات سابقة مع الجانب التركي للحصول على منظومات دفاع جوي، فيما تنتظر تخصيصات مالية مرتبطة بمنظومة دفاع جوي كورية. ولا يعني ذلك أن العراق يحصر خياراته في دولة واحدة، إذ تؤكد المواقف النيابية وجود اتصالات وتحركات مع عدد من الدول بهدف تنويع مصادر التسليح وعدم ربط منظومة الدفاع العراقية بمصدر واحد.
وتكتسب تركيا أهمية خاصة في هذا المسار بسبب التطور الذي حققته صناعاتها العسكرية في مجال الدفاع الجوي، فضلاً عن طبيعة العلاقات المتنامية بين بغداد وأنقرة في ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة والحدود. لكن الخيار التركي، وفق المعطيات الحالية، يبقى ضمن مسار التفاوض والتعاقد، وليس إعلاناً عن اكتمال صفقة نهائية أو دخول منظومات جديدة الخدمة فعلياً.
وتبرز أمام العراق في هذا السياق مسألة أكثر تعقيداً من مجرد شراء أسلحة جديدة، تتمثل في بناء منظومة دفاع جوي متكاملة. فالتحدي لا يرتبط بامتلاك صواريخ أو بطاريات دفاع فقط، وإنما بإنشاء شبكة قادرة على الرصد والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة وربط مختلف المستويات الدفاعية في منظومة واحدة.
ولهذا تركز الطروحات النيابية على الحاجة إلى منظومات متعددة المديات، تشمل القريب والمتوسط والبعيد، بما يسمح بتغطية أوسع للأجواء العراقية والتعامل مع أنواع مختلفة من التهديدات. وتحتاج هذه المنظومة كذلك إلى كوادر مدربة وبنية تقنية قادرة على تشغيلها وربطها بمراكز القيادة والسيطرة، فضلاً عن توفير عمليات الصيانة والتحديث المستمر.
وتزداد أهمية هذا الملف مع استمرار الاضطرابات العسكرية في المنطقة، إذ يجد العراق نفسه في بيئة إقليمية تتداخل فيها الصراعات الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة، ما يجعل حماية المجال الجوي جزءاً من معادلة الأمن الوطني وليس ملفاً عسكرياً منفصلاً.
ويرى مختصون في الشأن العسكري أن استمرار ضعف قدرات الدفاع الجوي يمكن أن يحد من قدرة العراق على التعامل مع أي انتهاك لأجوائه أو تهديد يستهدف منشآته الحيوية. ومن هذا المنطلق، فإن الإسراع في حسم ملف التعاقدات والتجهيز يصبح أكثر إلحاحاً، خصوصاً إذا كانت بعض عمليات التسليم تحتاج إلى أشهر قبل وصول الدفعات الأولى إلى العراق.
لكن بناء هذه القدرة يحتاج أيضاً إلى قرار طويل الأمد، لأن منظومات الدفاع الجوي لا تُقاس فقط بلحظة التعاقد أو وصول المعدات، وإنما بقدرة الدولة على المحافظة عليها وتحديثها وتطوير شبكة القيادة والسيطرة والتدريب المرتبط بها.
وفي هذا الجانب، يمكن أن يمثل تنويع مصادر التسليح خياراً استراتيجياً للعراق، لأنه يمنحه قدرة أكبر على اختيار التقنيات والأنظمة التي تتناسب مع احتياجاته، ويقلل من مخاطر الاعتماد على مورد واحد. غير أن التنويع يحتاج إلى تنسيق فني وتشغيلي دقيق، حتى لا تتحول تعدد مصادر السلاح إلى مشكلة في التكامل بين المنظومات المختلفة.
ومن هنا، فإن التوجه نحو تركيا لا ينبغي قراءته باعتباره تحولاً في وجهة التسليح العراقية بقدر ما يعكس محاولة لبناء خيارات متعددة أمام المؤسسة العسكرية. فالعراق، بعد سنوات من الاعتماد على الشراكات الخارجية في جوانب مختلفة من الأمن الجوي، يحاول الانتقال تدريجياً إلى مرحلة تكون فيها حماية الأجواء مسؤولية وطنية مدعومة بقدرات تقنية متطورة.
وتبدو الرسالة الأهم في هذا الحراك أن السيادة الجوية أصبحت جزءاً أساسياً من مشروع بناء الدولة الأمنية بعد انتهاء مهمة التحالف. فامتلاك العراق لمنظومة دفاع جوي حديثة يعني امتلاك قدرة أكبر على مراقبة مجاله الجوي، وحماية المطارات والمنشآت النفطية ومحطات الطاقة والمواقع الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على المظلات الدفاعية الخارجية.
وبين الخيار التركي والبدائل الكورية والأوروبية وغيرها، تقف بغداد أمام اختبار يتجاوز اختيار السلاح إلى تحديد شكل العقيدة الدفاعية للمرحلة المقبلة. فالمطلوب ليس مجرد شراء منظومات متقدمة، وإنما بناء قدرة عراقية مستدامة تستطيع تشغيلها وحمايتها وتحديثها، وصولاً إلى منظومة دفاع جوي وطنية متكاملة.
وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة، تبدو معركة العراق المقبلة في السماء بقدر ما هي على الأرض: سد فجوة الدفاع الجوي، وتنويع مصادر التسليح، وتحويل حماية الأجواء من ملف مؤجل إلى ركيزة أساسية في مفهوم السيادة الوطنية.





