رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 21 تموز( يوليو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2240

كتابة تصالح مع الجذر في منجز احمد بياض

الاثنين - 13 ايار( مايو ) 2019

احمد الشيخاوي*

تقوم الممارسة الإبداعية لدى الشاعر المغربي أحمد بياض على معجم يتجدد ،ويكتسي ثراءه من لعبة كلامية تعتني جيدا بمعطيات التصوير الفني الذي تذوب معه،الحواشي ما بين القصيدة واللوحة ، إلاّ فيما ندر،من المواقف والتصريحات التي يقتضيها السياق السردي، وهي مزاوجة أنيقة ودافقة ،تتيح للكتابة جاذبية المغازلة باللون الذي قد تغدق به معاني المفردة.

حتّى والتيمة ترفل في خطاب الموت، وتتكفّن بمشهدها الخريفي الجنائزي.

إنه بوح الألوان،في ارتكاز إلى فعل إبداعي ذهني صرف ، يرصد نبضات التصالح مع الجذر الإنساني، الموغل في صفحات الذاكرة المثقوبة بالتمام.

نطالع لصاحب ديوان " مناجم في حوض الشتاء" مثل هذا الموقف الوارف برؤية هشّة، الإلهام فيها وعبرها للألوان فقط، تجزم بالجوانب التأملية ، وليس تفسح للدندنة أو النوبة الهذيانية ، بسوى الجرعة ، تلكم المعيارية الدالة على الرمزية المبالغ فيها ، والضمني المترنّم بالبعد القيمي كأقصى ما تكون الكناية المدغدغة بثنائية الغياب والحضور، داخل حدود منظومة مفاهيمية تتغيا فلسفة خاصة للانتماء، يقول:

[قطاف /على لحن الشوق /جرعة انتفاضة /أديم  / ينثر البقاء /بين مخالب القيظ وأريج الحنين].

بحيث ما بين دوال " البقاء" و" الحنين" الذي يعنيه ضرب من الغياب، تنرسم لوحة تدشين صفحات العذرية ،ومحاولات التصالح المتكررة مع الجذر/ الوطن.

ثمة فلتة أخرى، تورق بتجليات اللون المراوغة، وكيف أنها تدين قتل الأنبياء / الشعراء، عبر إشاحة الظهر لمآذنهم وصمّ الآذان عن ثرثرتهم، يقول أيضا:

[زهرة المآذن /حبر شتاء /سعي شروق /وليد الضحى /أساطير /تقتل القمر /وفي زلال عينيك/ تتغذى /وصايا النور /ويترجم غبار /الخطوات /صدى الأنبياء /وموت /كم
من رسول /ورسول / وأقرأ /لغة الأرض /أقرأ لغة دجلة /على بريد الأنهار /أقرأ سيلان التيه
في سراديب الأزقة /وأشيد /في الدروب / ما تخفيه / الرايات المنكوسة...].

هكذا ،وتبرّكا بهذا المقلب التعبيري،تُكسر جملة القواعد الرسمية المستفزة بتابوهات الثقافة المسوّقة لديدن تمجيد زيف الأرض، كي يحلّ بدلها خطاب مكاشفة وإماطة الأقنعة عن حقيقة مرة ، تلهج بها" لغة الأرض" على أصولها، قصد فضح اللبس،ونسج المرثاة على مقاس زمن انتكاس الرايات ، أقساطا تحمل على الانكسار الروحي الرهيب الذي قد تكابده الذات الشاعرة ،طعنا برسالة يعنى بها جيل بأكمله.

يضيف مفارقة جوهرية وفاصلة، تقذف في دوامة الحيرة، وتضع الذات إزاء مرايا عاكسة للارتباك الإنساني،والاستسلام الكلي،للمعاناة والمكابدة، وجودا وشعرا.

بحيث تغدو المعلقات قاتلة ومقتولة في آن، أي شعر يجدد ذاته ويطوّرها ،بما قد يتيح لمبدعه أوهام الخلاص،ما بين ماضوية ضاغطة ،وحداثة جاذبة و غير رحيمة . 

[وتختفي / الاقانيم /في البراري الغامضة /ويشيد /بريق الشمس الباقي /ما خلفه /ديجور الأشياء /ويتآكل /جفن السمار / بحلم الذبول / ويلجأ الشاعر /إلى المعلقات القديمة /بعد ما /ماتت البحور].

هذا الاختناق الذي تولّده ،مقامرة البحث في الغائية الإبداعية ، إجمالا، وههنا يرتقي الخطاب بالأرض، مثلما ترتقي هي ، بسياقه وأنساقه، يغتدي المنبت شهوة تفجّر في الذات شعرية إدمان الحرف وتلحينه وتجميله ،علاوة على شعرية وجعنا الوجودي الذي لا ألوان له ولا معاني، بدون عتاب يرشق هذه الأرض في بضع من سلبيتها ونقصانها.

[شهوة الأرض / هلال الطلع /ورحيق الفجر /هول من الشرق/ باسم الاقانيم /وشوق الأطفال /إخصاب رمل /على صفحات الذاكرة /وإليك /تعود /أوتار من حديد /بلحن الفراق].

هو لحن الفراق ، دوما، إذ يؤكد غيابا بمعنى الحضور، ويسجّل غضبة خفيضة ،تنضج أسرار الحياة والوطن والشعر.

[على خريف المتاهة /سيرة الكلمة /على تمزق السطور /ندبة جرح /لرضيع أمل معصوم/
رثاء لوركا /للقمر الغجري /حديقة الأيام السبعة /في موطن الجفاف /شرفة ظل /ترتج
بريح السعال].

إن هذه اللوحة التعبيرية التي تعبر بالمتلقي من ذات قلقة شكاكة مفخخة بأسئلة الانتماء، كي تسلّمها لفصول تُعاش داخل ذاكرة المشترك الإنساني، متاهة الغجري لوركا، لهي صانعة كامل هذا العرس الحياتي النابض بنبوءات الشعر وأصداء مآذنه المنتسبة إلى تاريخ تغييب الشعراء.

[تحدق /في الفضاء الهارب /نجمة /سهاد طليقة /تغازل /نشوة البحر /شتاء صيف /يبلل الأزقة /كأس شاي / على رماد المدخنة /تعاويذ / على رفات الحكاية /أنين صباح /متفائل
يكسو /دمعة الأرجوان...].

إنه استطراد ينقر كوة في زوايا عتمة الذات والحياة والأرض، مبقيا على شعاع من أمل ،ما دام الشعر صوتا يحقّق للذات المجلودة،صور الغياب الذي هو بمعنى الحضور.

تفاؤل إنساني قائم،تتلعثم به القصائد المترنّمة بميتة لوركا المفتية بخيارات خلود الإبداع المنتصر لإنسانية الكائن، تصون هوية سدنته رغما عن التجاوزات والتشوّهات.

[بدون وصية/يا أم هارون /البحر الذي أمامنا /بدون ثوب موج /رماد /يخدر شرفة العين /ووصية /تعزف على شرفة الأديم /مزهرية الكون /وانتفاضة/نخب التلاوة /سديم
على ريح الضباب /حلم لا نهائي /ينمحي جسدك /ليعالج / ضوء القمر...].

لعلّه بهذا الطرح، يكون شاعر مذعن لغلبة اللون في نصوصه ،على باقي المكونات التي تسمو بالفعل التعبيري، كما لدى شاعرنا المجدد ، الدكتور أحمد بياض، تُطاق نوبات مجابهة حقبة الموت الجارف الذي لم تسلم منه، بدورها القصيدة ،وهي تعيد ترتيب أوراق المصالحات مع جذور الذات الظمآنة لطقوس البعدية،أو الماوراء، فيما تحمله من جوانب للبراءة الوجودية ،المباهية بعتباتها ومضامينها، ولادة ثانية ،كالتي يعيشها أحمد بياض في ثرثرته القلبية بطفولة وانسيابية قلّ نظيرها.

 

* شاعر وناقد مغربي

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي