محمد عبد الجبار الشبوط
تثير التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي تشهدها دول أوروبية مختلفة أسئلة تتجاوز أسبابها المباشرة ومطالب المشاركين فيها، لتصل إلى طبيعة المجتمعات الأوروبية، ومستوى تطورها الحضاري، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، ومدى قدرة الأنظمة السياسية والاقتصادية القائمة على تحقيق الحياة الطيبة لمواطنيها. وهذه الأسئلة تستحق معالجة فكرية جادة، لأنها تتعلق بظاهرة اجتماعية وسياسية يمكن أن تكشف عن اختلالات عميقة في بنية المجتمعات المعاصرة، وتقدم فرصة مهمة لفهم العلاقة بين التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي من جهة، والتقدم الإنساني والاجتماعي والسياسي من جهة أخرى.
غير أن بعض التعليقات على هذه الاحتجاجات تكشف عن مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن الظاهرة نفسها، وهي مشكلة العقل الذي يتعامل مع الأحداث من خلال قوالب أيديولوجية مغلقة، فيفسر احتجاجات الشعوب الأوروبية باعتبارها انتقاماً إلهياً من الحكومات الغربية بسبب مواقفها من إيران أو غيرها، ويستقبل معاناة المجتمعات الأخرى بالشماتة، ويحول الأحداث الاجتماعية المعقدة إلى مشاهد في صراع عقائدي متخيل بين الإسلام والغرب.
وهذه القراءة لا تقدم تفسيراً علمياً للاحتجاجات، ولا تساعد على فهم المجتمعات الأوروبية، ولا تكشف عن الأسباب الحقيقية للتوترات الاجتماعية والسياسية فيها، وإنما تعكس انحيازاً أيديولوجياً يجعل صاحبه يرى في الوقائع ما يريد أن يراه، ويستبعد منها ما لا ينسجم مع تصوراته المسبقة. والأسوأ من ذلك أنها تستعمل معايير متناقضة، فتصف احتجاجات شعب معين بأنها مؤامرة تستهدف نظامه السياسي، بينما تحتفي باحتجاجات شعب آخر باعتبارها ثورة مشروعة ضد الظلم والاستبداد، تبعاً للموقف الأيديولوجي من النظامين، لا تبعاً لطبيعة الاحتجاجات ومطالب المشاركين فيها.
إن الاحتجاج الشعبي ظاهرة إنسانية واجتماعية وسياسية ينبغي فهمها في سياقها الموضوعي، بصرف النظر عن هوية الدولة التي تقع فيها أو طبيعة النظام السياسي الذي تحكمه. فالمواطن الفرنسي الذي يحتج على تدهور قدرته الشرائية، أو المواطن الإيطالي الذي يعترض على السياسات الاقتصادية، أو الطالب الذي يطالب بتحسين التعليم، لا يتحرك بالضرورة ضمن صراع ديني أو حضاري مع شعوب أخرى، وإنما ينطلق من ظروفه الاجتماعية ومصالحه وتطلعاته وإدراكه لحقوقه. ومن هنا فإن احترام الإنسان يقتضي التعامل مع مطالبه بوصفها مطالب إنسانية جديرة بالفهم، لا تحويلها إلى أدوات في معارك أيديولوجية لا علاقة لها بأسباب احتجاجه.
وتقدم الفلسفة الحضارية مدخلاً مختلفاً لفهم هذه الظاهرة، ينطلق من أن المجتمع ليس مجرد نظام سياسي أو اقتصاد وطني، وإنما هو واقع حضاري مركب يقوم على التفاعل بين الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، في إطار منظومة القيم الحافّة بالمركب الحضاري. ويتوقف مستوى الإنجاز الحضاري على طبيعة العلاقات بين هذه العناصر، ومدى قدرة المجتمع على توظيف إمكاناته وموارده وطاقاته لإنتاج القيمة وتقليل الهدر، وتحويل الإنجازات المادية والعلمية إلى تحسين فعلي في نوعية حياة الإنسان ومستواها.
ومن هذا المنظور، تثير الاحتجاجات الأوروبية احتمال وجود اختلالات في التفاعل بين عناصر المركب الحضاري، أو في العلاقة بين المجتمع والدولة، أو في توزيع ثمار الإنتاج والتقدم الاقتصادي. فالمجتمع قد يمتلك اقتصاداً متقدماً، ومؤسسات علمية قوية، وتكنولوجيا عالية، وثروة مادية كبيرة، ومع ذلك يعاني بعض مواطنيه من صعوبات معيشية أو تفاوت اجتماعي أو تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية. وهذا يعني أن التقدم في بعض عناصر المركب الحضاري لا يضمن تلقائياً تحقيق التوازن في بقية عناصره، وأن الوفرة الاقتصادية لا تتحول بالضرورة إلى حياة طيبة لجميع المواطنين ما لم تقترن بعدالة التوزيع وكفاءة المؤسسات وحسن إدارة الموارد.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين مستوى الحياة ونوعيتها، وبين مقدار الثروة التي ينتجها المجتمع ومدى انتفاع الإنسان منها. فالحياة الطيبة، في منظور الفلسفة الحضارية، تقوم على وفرة الإنتاج وعدالة التوزيع، وتتطلب أن تتحول الإمكانات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية إلى فرص حقيقية للعمل والتعليم والصحة والسكن والأمن والاستقرار والكرامة الإنسانية. وعندما تتسع الفجوة بين الثروة المتاحة والنتائج التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية، تصبح هذه الفجوة موضوعاً مشروعاً للبحث في أسباب الاحتجاجات، دون أن نفترض مسبقاً أنها التفسير الوحيد لكل حركة احتجاجية.
وتتصل بهذه المسألة العلاقة بين المجتمع والدولة، لأن الدولة الحديثة لا تستمد فاعليتها من امتلاك السلطة القانونية وأجهزة الإدارة وحدها، وإنما من قدرتها على إدارة الشأن العام والاستجابة للمصالح الاجتماعية المتغيرة، والمحافظة على الثقة المتبادلة بينها وبين المواطنين. وقد تعبر الاحتجاجات عن ضعف في هذه العلاقة، أو عن تراجع القدرة المؤسسية على الاستجابة للمطالب، أو عن فجوة بين تطور الوعي الاجتماعي وتطور الأداء السياسي. وقد تعبر، في الوقت نفسه، عن ارتفاع مستوى الوعي بالحقوق ونمو القدرة على المشاركة والمساءلة، وهي ظواهر لا يجوز إغفال قيمتها الإيجابية عند تحليل الاحتجاج الشعبي.
ومن هنا تظهر أهمية مفهوم الذات الفاعلة الجماعية، لأن الاحتجاج لا يبدأ وينتهي عند الشعور الفردي بالضيق أو الغضب، وإنما قد يمثل انتقالاً من إدراك المشكلة إلى تكوين وعي مشترك بها، ثم إلى تنظيم فعل جماعي يسعى إلى التأثير في القرارات والسياسات والمؤسسات. وتتوقف النتائج على عوامل متعددة، منها وضوح المطالب، ودرجة التنظيم، وطبيعة القيادة، وقدرة الحركة الاحتجاجية على تحويل التعبئة الشعبية إلى إنجازات مستدامة. فليست كل تظاهرة ثورة، وليست كل ثورة مشروعاً حضارياً، كما أن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة معالجة الأسباب العميقة التي أدت إلى الاحتجاج.
ولعل المقارنة التاريخية بين الثورات الأوروبية عام 1848 والاحتجاجات الطلابية والشبابية عام 1968 والتحركات المعاصرة تساعد على إدراك أن موجات الاحتجاج الكبرى قد ترتبط بتحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية تتجاوز الأحداث التي تشعلها مباشرة. فقد شهدت أوروبا في مراحل مختلفة تغيرات عميقة في أنماط الإنتاج والوعي والعلاقات الاجتماعية، بينما تفاوتت قدرة المؤسسات السياسية على مواكبة هذه التغيرات. غير أن التاريخ لا يكرر نفسه بصورة آلية، ولذلك ينبغي دراسة كل موجة في ظروفها الخاصة، والبحث عن أوجه التشابه والاختلاف دون إسقاط نتائج الماضي على الحاضر.
إن القيمة الفكرية الكبرى لهذه الأحداث تتمثل في أنها تمنحنا فرصة لاختبار مقولات الفلسفة الحضارية على وقائع حية، والتحقق من مدى قدرتها على تفسير العلاقة بين المركب الحضاري والحياة الاجتماعية والسياسية. ولا تتحقق هذه الغاية بإعلان صحة النظرية مسبقاً، وإنما بدراسة الوقائع وجمع الأدلة ومقارنة الحالات، والاستعداد لتطوير المفاهيم أو تعديل الفرضيات كلما اقتضت النتائج العلمية ذلك.
إن العالم المعاصر يحتاج إلى عقل قادر على فهم الظواهر قبل إصدار الأحكام عليها، وإلى طريقة حضارية في التفكير تقوم على إعمال العقل في فهم الظواهر واكتشاف العلاقات بينها استناداً إلى العلم المتاح، وتسخير العقل من أجل تعظيم القيمة وتقليل الهدر. وهذه الطريقة تفتح المجال أمام فهم أعمق للاحتجاجات الأوروبية، بعيداً عن الشماتة السياسية والتفسيرات الغيبية المتعجلة والأحكام الأيديولوجية المسبقة.
فالاحتجاجات الأوروبية ليست انتصاراً تلقائياً لهذا المعسكر أو هزيمة لذلك المعسكر، وإنما ظواهر إنسانية واجتماعية وسياسية تستحق البحث في أسبابها ونتائجها ودلالاتها الحضارية. وإذا كانت بعض العقول لا ترى فيها سوى فرصة للشماتة بالآخرين، فإن العقل الحضاري يرى فيها فرصة لاكتشاف الاختلالات التي تعانيها المجتمعات، وفهم شروط تجاوزها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد الإنسانية كلها في سعيها إلى حياة أكثر عدلاً وحرية وكرامة.
إن المهمة الفكرية ليست أن نفرح بأزمات الآخرين، وإنما أن نفهم لماذا تحدث الأزمات، وكيف يمكن للمجتمعات أن تتجاوزها. وهذا هو الفارق بين عقل يستهلك الأحداث لإشباع انحيازاته، وعقل يحول الأحداث إلى معرفة تسهم في التقدم الحضاري للإنسان.




