ألكسندر نجار يروي ذكرياته الباريسية في ما يشبه السيرة

هيئة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
ألكسندر نجار يروي ذكرياته الباريسية في ما يشبه السيرة

عبده وازن

غير أن ما حمل ألكسندر نجار إلى استعادة سنوات دراسته الباريسية هو انفجار مرفأ بيروت المأسوي في الرابع من أغسطس (آب) الذي كانت لأصدقائه في الزمرة الباريسية، “حصة” رهيبة: صديقته جان دارك ماتت، جينو فقد أصابعه الـ10، الطبيبان ريشار ووجدي كانا شاهدين في غرف الطوارئ على المجزرة، أما توفيق وسيزار اللذان يقيمان في بيروت فنجوا، مثلما نجا هو.

كان انفجار مرفأ بيروت الحافز الذي دفع نجار إلى استعادة الذكريات الباريسية، واسترجاع حياة الشلة، والأيام الجميلة والفريدة والقاسية أحياناً، التي عاشها هو شخصياً وعاشوها جماعياً. هذا الانفجار حمل أيضاً نجار على كتابة سحابة من سيرته الشخصية، التي تنطلق من الحرب وتسلك طريقها عبر الباخرة التي كانت تقل اللبنانيين المسيحيين من مرفأ جونيه إلى مرفأ لارنكا، التي غصت في هذه الأعوام بجموع لبنانية كبيرة، تسعى إلى الهجرة.

أسأل ألكسندر نجار: “لبناني في باريس” هي أول سيرة ذاتية لك، بعدما كتبت سيرة الماضي في “مدرسة الحرب”، وسيرة والدك في “صمت التينور” ووالدتك في “ميموزا”، وهما قريبتان من السيرة الذاتية أيضاً. عندما نتحدث عن السيرة الذاتية يخطر في البال ما سماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون “ميثاق السيرة الذاتية”، والذي يفترض بحسبه أن السيرة يجب أن تراعي الصدق والحقيقة. إلى أي حد التزمت بهذا الميثاق؟ هل كتبت هذه السير الذاتية بوفاء للميثاق أم أنك تركت لمخيلتك الروائية أن تلعب دورك؟ علماً أن كتابك عن باريس يمكن أن يعد كتاباً فريداً في السرد والوقائع والحكايات التي يتضمنها. يقول نجار: “صحيح أن السرد الذاتي يفترض أن يروي فيه الكاتب حياته وتجربته الخاصة. لكنني، انطلاقاً من الحرية التي أطالب بها لكل كاتب ولكل فنان، أرى أن من حق الكاتب أيضاً أن يلجأ إلى الخيال في أي وقت. فأنا لا أؤمن بخطوط التماس وبالحدود الفاصلة الصارمة بين الواقع والخيال. أؤمن بأن الواقع والخيال يمكن أن يتداخلا في انسجام تام، وأن الكاتب يستطيع أن يناور بينهما كما يشاء، شرط أن يكون النص الذي يقدمه للقارئ جيداً ومشوقاً…

هذا الكتاب يأتي في سياق “مدرسة الحرب” و”أمير البحار” و”ميموزا”، ويندرج في استمرارية هذا المسار السيري الذي أكشف فيه عن نفسي أكثر مما أفعل في الروايات التي تقوم على الخيال المحض، وإن كنت موجوداً فيها أحياناً بصورة “مقنعة”. لنتذكر عبارة فلوبير الشهيرة: “مدام بوفاري هي أنا. ولا تزال سارية”.

في سيرته الباريسية يحضر نجار شخصياً بوصفك طالباً جامعياً يدرس الحقوق، لكنه يلقي ضوءاً على نشوء صفة الكاتب الذي هو. أساله: “كنت  تتوجه إلى تكون محامياً أو حقوقياً وإلى أن تكون كاتباً. كيف اجتمع هذان الطموحان في شخصك؟ وأي واحد منهما سابق الآخر وفاز على الآخر؟ ويجيب: “أنا محام ممارس، ومولع بالكتابة منذ سن التاسعة، وأعتقد أنني نجحت في التوفيق بين الاثنين: مهنة المحاماة وشغفي بالأدب. أقول دائماً إن القاسم المشترك بين الاثنين هو الدفاع عن الحريات، وكذلك حب الكلمات وحسن استخدامها. فالكلمات يجب أن تكون منتقاة بعناية، سواء استعملها المحامي في لوائحه ومرافعاته، أم استخدمها الكاتب في روايته. والمحامي رجل فعل، في حين أن الكاتب رجل تأمل، لكن الاثنين يتكاملان.

عندما كنت في باريس، كنت أتابع دراستي في الحقوق صباحاً وأكتب ليلاً، وقد رويت ذلك في كتابي. شاركت في مسابقتين أدبيتين شجعتاني على المثابرة، لكنني لم أفكر خلال أي لحظة في ترك الكتابة من أجل القانون، أو القانون من أجل الكتابة. بالنسبة إلي، كلاهما جزء من تكويني”.

أسأله: تتحدث عن الحلم الباريسي بينما يدرج الكلام لدى الروائيين عموماً، عن الحلم الأميركي. كيف تنظر إلى الحلم الباريسي وبعده الروائي؟ هل استطعت تحقيق هذا الحلم عبر تحولك إلى روائي وكاتب فرنكوفوني؟يجيب: “كانت باريس بالنسبة إلي، ولا تزال بالنسبة إلى كثير من الشباب، أشبه بالإلدورادو: عالماً مثالياً نقيضاً للبنان الحرب، عالماً من الثقافة والحرية. كنت أتوق إلى مدينة النور التي عاش فيها كبار الأدباء، وأن أمشي في شوارعها وأجول في حي مونبارناس المفعم بالتراث الأدبي، وأن أختبر بنفسي ذلك العالم الذي قرأت عنه طويلاً. فقد تربيت على الروايات الفرنسية، والموسيقى الفرنسية، والأفلام الفرنسية، ولذلك كان لدي، على غرار الحلم الأميركي، حلم فرنسي. لكن عندما نصل إلى باريس، نكتشف سريعاً بعض الحقائق والصعوبات التي كنا نجهلها، ونفقد بعض أوهامنا. وربما نفهم في المنفى، بصورة أفضل، قيمة لبنان وما يمثله هذا البلد الصغير الذي هو، في الحقيقة، أكبر بكثير من حجمه الجغرافي. أستطيع القول إن باريس أسهمت في تحقيق حلمي الأدبي، إذ منحتني أدوات ثقافية وفكرية، ووسعت آفاقي، وساعدتني على تكوين شخصيتي كاتباً فرنكوفونياً. لكنها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت إحدى محطاته التأسيسية… ماذا يعني أن أكون” كاتباً فرنكوفونياً”؟ أعشق اللغة العربية ولكنني اخترت اللغة الفرنسية كأداة للكتابة وكحصان طروادة، وفي الوقت نفسه أكتب عن لبنان، وعن حال اللبنانيين بلغة يفهمها الغرب

يذهب نجار إلى باريس وفي ذهنه يحضر الأدب الفرنسي الذي قرأه في الصفوف المدرسية وتابع أعلامه الكبار. أسأله: ما الذي جمعك كروائي قيد النشوء، إلى جانب الحقوقي، بباريس، مما يجعلنا هنا نتذكر روائيين وشعراء كباراً مروا بباريس وتركت فيهم أثراً عميقاً، ثقافياً وأدبياً ومنهم مثلاً فارغاس يوسا وماركيز وهمنغواي وريلكه وسواهم… أي أثر تركت فيك باريس كروائي وكاتب؟ ماذا علمتك باريس مما لم تعلمك إياه أي مدينة أخرى؟ يجيب: “لو لم أذهب إلى باريس، لكنت رجلاً آخر. فالثقافة الموجودة في باريس تغذي الروح والعقل. ذهبت إلى باريس وأنا أحمل في ذاكرتي الأدبية أسماء كبيرة: فيكتور هوغو، وسارتر، وسيمون دو بوفوار، وبيكيت، وغيرهم. كنت قد عرفت المدينة من خلال مؤلفاتهم، ولذلك شعرت، عندما وصلت إليها، بأنني أدخل فضاءً قرأت عنه طويلاً. لكن باريس لم تكن بالنسبة إلي متحفاً للأدب فحسب، كانت مدينة حية، تتجاور فيها الثقافات والأفكار والتيارات الفنية، وتمنح الشاب فرصة الاحتكاك بعوالم لم يكن يعرفها من قبل. في الحي اللاتيني، وبين الجامعة ومكان إقامتي في “الفوييه الفرنسي اللبناني”، عشت تجربة إنسانية وثقافية تركت أثراً عميقاً في. تعرفت إلى طلاب لبنانيين ينتمون إلى بيئات مختلفة، وجمعتنا الصداقة وتجربة الاغتراب، وتعلمت منهم معنى “العيش المشترك”… وهناك أيضاً تعلمت أن أكون مستقلاً، وأن أواجه الحياة بعيداً من كنف الأسرة. وسمحت لي باريس بالمشاركة في مسابقتين مهمتين وضعتاني فعلاً على أول الطريق الأدبي. وعلمتني التسامح، وهو أمر لم يكن سهلاً بالنسبة إلى شاب آت من بلد يعاني الحرب والتطرف وشريعة الغاب، حتى وإن كان والداي متسامحين بطبيعتهما”.

كتب نجار أيضاً سيراً غيرية عدة مثل سيرة المدعي الفرنسي العام بينار الذي حاكم بودلير، وجبران وشارل ديغول ويوحنا المعمدان والأب يعقوب… ما الذي يختلف عندما تكتب سيرة ذاتية وسيرة غيرية؟ ما الفرق بين الشخص الآخر الذي تكتب سيرته والشخص الذي هو نت؟ يقول: “صحيح أن السيرة الغيرية فن مختلف تماماً عن السيرة الذاتية. ففي السيرة الذاتية، نروي أنفسنا ونغوص في ذكرياتنا ومشاعرنا، مع العلم أننا،عندما نتحدث عن أنفسنا ونتناول تفاصيل شخصية حميمية، نكون بمثابة مرآة للقارئ. فالكاتب عندما يروي تجربة شخصية يجعل القارئ يرى نفسه فيها ويجد فيها شيئاً من تجاربه ومشاعره وذكرياته. هنا تكمن عالمية الأدب. وهذا ما أراد فيكتور هوغو أن يقوله في مقدمة “التأملات” عندما خاطب القارئ قائلاً: “عندما أتحدث عن نفسي، فإنني أتحدث عنك!”

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل !!