بغداد – العالم
تتصاعد النقاشات السياسية والاقتصادية في العراق على خلفية قرار رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، بالتزامن مع تداول مقترحات بشأن استحداث وزارات جديدة وزيادة عدد المناصب العليا في الحكومة، وسط تساؤلات عن الكلفة المالية لهذه الإجراءات ومدى قدرتها على معالجة الأزمة التي تواجه الموازنة العامة.
حيث أن الجدل لا يدور فقط حول تأثير تعديل سعر الصرف في الأسواق والأسعار، وإنما امتد إلى طبيعة الإجراءات الحكومية المطلوبة لمعالجة الاختلالات المالية، في وقت تواجه فيه الدولة ضغوطاً مرتبطة بارتفاع الإنفاق العام وتراجع الموارد والحاجة إلى تمويل الالتزامات الأساسية.
وبحسب معلومات تداولها تقرير سياسي، فإن قوى سياسية داخل الإطار التنسيقي كانت على علم بقرار تعديل سعر الصرف، فيما ظهرت لاحقاً مواقف تدعو إلى احتواء الغضب الشعبي الناجم عن انعكاسات القرار على الأسواق والقدرة الشرائية، مع تداول حديث عن احتمال إجراء تغييرات سياسية تتعلق بالحكومة ورئيسها.
إلا أن هذه الطروحات تبقى في إطار المواقف والتسريبات السياسية، ولا تعني وجود قرار نهائي بشأن تغيير الحكومة أو سحب الثقة منها، وهو ما يفرض التعامل معها باعتبارها جزءاً من السجال السياسي الدائر حول إدارة الأزمة الاقتصادية.
ورصدت «العالم» أن أحد أبرز الملفات المتداولة بالتزامن مع أزمة سعر الصرف يتعلق بإمكانية زيادة عدد الوزارات من تسع حقائب شاغرة إلى 12 وزارة، عبر استحداث ثلاث وزارات جديدة، فضلاً عن مقترحات تتعلق باستحداث أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء.
وتثير هذه المقترحات تساؤلات بشأن الكلفة المالية والإدارية لأي توسع في هيكل الدولة، خصوصاً في ظل الحديث عن ضغوط كبيرة تواجه الموازنة والحاجة إلى تقليص الإنفاق غير الضروري. ووفق ما ورد في التقرير المتداول، فإن الكلفة السنوية المحتملة للتوسع في الوزارات والمناصب قد تكون مرتفعة، بينما لا يمكن اعتبار الأرقام المتداولة تقديرات نهائية ما لم تصدر عن الجهات المالية الرسمية.
أن من بين المقترحات المتداولة استحداث وزارة للذكاء الاصطناعي، في خطوة تُطرح ضمن سياق مواكبة التحول الرقمي والتطور التكنولوجي، إلى جانب مقترح فصل وزارة السياحة عن الثقافة، فضلاً عن الحديث عن وزارة دولة جديدة.
ومن الناحية الإدارية، فإن استحداث أي وزارة جديدة يحتاج إلى تحديد واضح لاختصاصاتها ومهامها ومصادر تمويلها، حتى لا يتحول التوسع المؤسسي إلى زيادة في النفقات والدوائر والدرجات الوظيفية من دون مردود اقتصادي أو خدمي واضح.
وفي ملف الذكاء الاصطناعي تحديداً، يمكن أن يكون إنشاء مؤسسة حكومية متخصصة جزءاً من توجه أوسع للتحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، لكن نجاح الفكرة يرتبط بوجود استراتيجية وطنية واضحة تشمل البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الكوادر، وحوكمة البيانات، وربط التكنولوجيا باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
أما فصل السياحة عن الثقافة، فيتطلب بدوره تبريراً إدارياً واقتصادياً واضحاً، خصوصاً أن القطاعين يمكن أن يرتبطا في مجالات عديدة مثل السياحة الثقافية والتراثية والمهرجانات والمواقع التاريخية. وبالتالي فإن الفصل الإداري لا يحقق بالضرورة فائدة تلقائية ما لم ترافقه رؤية لتطوير القطاعين وزيادة مساهمتهما في الاقتصاد.
وبحسب ما رصدته «العالم»، فإن جوهر الجدل يتمثل في التوقيت، إذ تأتي هذه المقترحات في وقت تبحث فيه الحكومة عن وسائل لمعالجة العجز وضبط الإنفاق، بينما يمكن أن يؤدي إنشاء وزارات ومناصب جديدة إلى إضافة التزامات مالية مستمرة تشمل الرواتب والمخصصات والمباني والموظفين والنفقات التشغيلية.
وفي المقابل، فإن تعديل سعر الصرف نفسه لا يمثل حلاً شاملاً للأزمة المالية، إذ تعتمد نتائجه على قدرة الحكومة على معالجة أسباب العجز وتقليل الهدر وتحسين الإيرادات غير النفطية وتطوير الإنتاج المحلي. كما أن ارتفاع الدولار يمكن أن ينعكس على كلفة الاستيراد والأسعار، ما يجعل حماية القدرة الشرائية للمواطنين جزءاً أساسياً من أي برنامج مالي.
وتابعت «العالم» أن معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى الإنفاق العام من زاوية الأولويات، بحيث يجري توجيه الموارد إلى القطاعات المنتجة والخدمات الأساسية والمشاريع القادرة على خلق فرص العمل وزيادة الإيرادات، بدلاً من توسيع الجهاز الإداري من دون دراسة دقيقة للعائد الاقتصادي.
كما أن الحديث عن نزع سلاح الفصائل، أو ربط بعض الاستحقاقات السياسية باستحداث وزارات ومناصب، يحتاج إلى فصل واضح بين الملفات الأمنية والمالية والإدارية، وعدم التعامل مع مؤسسات الدولة بوصفها أدوات لتسوية الخلافات السياسية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن التحدي الأكبر أمام الحكومة لا يتمثل فقط في تمرير قرارات مالية أو إدارية منفردة، وإنما في بناء مسار متكامل لإصلاح المالية العامة، يبدأ من ضبط الإنفاق ومكافحة الهدر والفساد، ويمر بتنمية الإيرادات غير النفطية، وينتهي بتقوية القطاعات الإنتاجية وتقليل اعتماد الدولة على النفط.
وبحسب ما تابعته «العالم»، فإن المقترحات المتعلقة بالوزارات الجديدة والمناصب العليا لا تزال بحاجة إلى حسم سياسي وقانوني ومالي، فيما يبقى الاختبار الحقيقي لأي إجراء حكومي هو قدرته على تخفيف الضغط عن الموازنة وتحسين الخدمات وحماية المواطن، لا زيادة حجم مؤسسات الدولة والتزاماتها المالية.
وفي النهاية، فإن الجدل الحالي يكشف معادلة أكثر تعقيداً من مجرد رفع سعر الدولار أو استحداث وزارات جديدة؛ فالعراق يحتاج إلى إصلاح مالي وإداري طويل الأمد، تكون فيه القرارات الحكومية مرتبطة بحسابات الكلفة والعائد، وبما يضمن توجيه الموارد العامة نحو الاقتصاد والإنتاج وفرص العمل بدلاً من زيادة الأعباء على الموازنة والمواطنين.





