بغداد – العالم
استعاد العراق جزءاً من نشاطه الملاحي التجاري بعد أكثر من خمسة عقود على توقف الخط البحري الوطني، مع وصول الباخرة «البصرة» إلى ميناء أم قصر محملة بالحاويات قادمة من ميناء جبل علي الإماراتي، في خطوة تستهدف تنشيط دور الناقل العراقي في حركة التجارة وتقليل الاعتماد على شركات النقل الأجنبية.
ورصدت «العالم» أن إعادة تشغيل الخط البحري تأتي في وقت يواجه فيه قطاع النقل البحري تحديات متزايدة بسبب اضطرابات الملاحة الإقليمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ولا سيما مع تداعيات التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أهمية امتلاك العراق أسطولاً وطنياً قادراً على التعامل مع جزء من حركة الاستيراد والتصدير.
وتقول الشركة العامة للنقل البحري إن عودة الخط ستوفر خيارات إضافية أمام التجار والمستوردين، وتدعم حركة نقل البضائع بين الموانئ العراقية والإماراتية، بما يساعد على تسهيل عمليات الاستيراد والتصدير وتنشيط الحركة التجارية.
وتأتي الخطوة ضمن توجه حكومي لتفعيل الناقل الوطني وتوسيع خدمات النقل البحري وتعزيز حضوره في التجارة الإقليمية والدولية، فيما تشير بيانات وزارة النقل إلى أن الطاقة الاستيعابية للموانئ العراقية تجاوزت 79 مليون طن سنوياً، في وقت تبلغ الطاقة الاستيعابية للحاويات أكثر من 3.6 ملايين حاوية.
ورغم هذه الإمكانات، يواجه العراق تحدياً واضحاً يتمثل بمحدودية أسطوله البحري، إذ لا يتجاوز عدد السفن الوطنية ست سفن، وهو ما يفرض على مشروع إعادة تشغيل الخط اختباراً عملياً يتعلق بقدرته على الانتظام والتوسع ومنافسة شركات النقل الإقليمية والدولية.
ويؤكد عضو لجنة النفط والغاز النيابية جاسم الموسوي أهمية تطوير الأسطول الوطني وتقليل الاعتماد على شركات النقل الأجنبية، مشيراً إلى أن الاضطرابات الإقليمية رفعت تكاليف النقل بصورة كبيرة، وأثرت في حركة التجارة والطاقة.
ويرى الموسوي أن زيادة عدد الناقلات الوطنية يمكن أن توفر مبالغ كبيرة للخزينة، وتخفض جزءاً من الأعباء المرتبطة بأجور النقل والتأمين، فضلاً عن منح العراق قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات التي تؤثر في طرق الملاحة الدولية.
ولا تقتصر أهمية الخط البحري على قطاع النقل وحده، إذ ترتبط كلف الشحن بصورة مباشرة بأسعار السلع المستوردة في السوق العراقية. ويشير تجار إلى أن ارتفاع أجور النقل والتأمين وتأخر وصول البضائع نتيجة اضطرابات الملاحة ينعكس على الكلفة النهائية للسلع.
وفي هذا السياق، يبرز انتظام الرحلات وسرعة الإجراءات الجمركية باعتبارهما عاملين أساسيين في نجاح الناقل الوطني. فالتاجر لا يختار شركة النقل على أساس ملكيتها فقط، وإنما ينظر إلى الكلفة الإجمالية، وموعد التسليم، ومستوى الخدمة، وقدرة الناقل على توفير عمليات الحجز والنقل والتفريغ والتسليم ضمن جداول واضحة.
وتكشف حركة التجارة الخارجية عن حجم السوق المتاحة أمام الناقل العراقي، إذ استورد العراق نحو 23.46 مليون طن من البضائع عبر موانئه خلال عام 2025، بزيادة بلغت 10.5 بالمئة عن العام السابق، بينما وصلت قيمة الواردات السلعية إلى نحو 72.3 مليار دولار، بينها قرابة 49.3 مليار دولار دخلت عبر الموانئ البحرية.
ويمنح هذا الحجم الكبير من التجارة فرصة لتطوير النقل البحري والخدمات اللوجستية المرتبطة به، بما في ذلك التخزين والمناولة والصيانة والوكالات البحرية، وتحويل جزء من النشاط التجاري إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد العراقي.
لكن الخبير الاقتصادي كريم الحلو يحذر من أن التوسع في المشروع يحتاج إلى دراسة تشغيلية واستثمارية واضحة، لأن زيادة الأسطول أو الخدمات من دون ضمان حجم تشغيل مناسب قد تحول الناقل الوطني من فرصة اقتصادية إلى عبء مالي.
وتظهر أرقام الشركة العامة للنقل البحري الحاجة إلى معالجة هذا التحدي، إذ بلغت إيراداتها نحو 213 مليار دينار خلال العام الماضي، رغم تراجعها بنسبة 10.9 بالمئة، في وقت سجلت فيه حركة البضائع عبر الموانئ نمواً.
وبذلك تدخل عودة الخط البحري العراقي مرحلة اختبار حقيقية، فنجاح الرحلة الأولى لا يقاس بوصول السفينة إلى أم قصر فقط، وإنما بقدرة العراق على تحويل الخط إلى خدمة منتظمة ومنافسة، وتوسيع أسطوله، والاستفادة من موقعه البحري وحجم تجارته الخارجية، بما يقلل كلف النقل ويعزز الإيرادات غير النفطية ويدعم مكانة الموانئ العراقية في حركة التجارة الإقليمية.





