د. هشام داود
حين يُرحَّل الفساد إلى السماء
من طرائف السياسة العراقية الجديدة أن المعركة المعلنة على الفساد، بعدما مرّت بمحاكم الأرض وهيئات النزاهة ودواوين الرقابة واللجان وملفات التحقيق، أخذت طريقها هذه المرة إلى السماء. أقول “المعركة” لا “الحرب”، لأن ما جرى حتى الآن ظل أقرب إلى ملاحقة عينات محدودة جرى اختيارها بعناية، قبل أن تصل المواجهة إلى الكوابح الحقيقية التي تفرضها موازين القوى داخل السلطة وخارجها. وفي هذه اللحظة تحديداً، دعا رئيس الوزراء، السيد علي فالح الزيدي، نوابه ووزراءه إلى أداء “قسم الشرف والنزاهة” على القرآن الكريم، ثم طالب الهيئات والمديرين العامين باستنساخ التجربة، قبل أن يلخص الفكرة بعبارة تستحق أكثر من وقفة: “رفعنا وضعنا من محكمة الأرض إلى محكمة السماء”، مضيفاً أن من يخون القسم سيعاقبه الله، إذ “لا قوة فوق قوة الله”.
و”الطقس الزيدي” الجديد ليس بحاجة إلى وقت طويل كي ينتقل من رئاسة الوزراء إلى دوائر الدولة، ففي العديد من الوزارات ومؤسسات العامة، منها شبكة الإعلام العراقية، وقف وزراء ومسؤولون ومديرو أقسام لأداء “قسم الشرف والنزاهة”، وبدا أن تقليداً إدارياً جديداً في طريقه إلى الانتشار: القرآن الكريم حاضر، واليد أحياناً فوقه، والله شاهد، والكاميرا توثّق، ثم يعود الجميع إلى مكاتبهم.
لكن العبارة التي اختارها الزيدي تظل أهم من الطقس نفسه: لماذا الانتقال من محكمة الأرض إلى محكمة السماء؟ السؤال لا يتعلق بالدين ولا بقيمة القسم عند المؤمنين، وإنما بالسياسة والدولة. ربما أراد رئيس الحكومة ببساطة أن يضيف إلى المسؤولية القانونية رادعاً أخلاقياً ودينياً، ويمكن أيضاً التساؤل عما إذا كانت الخطوة تعكس، ولو جزئياً، إدراكاً لمحدودية هامش حركته أمام منظومة سياسية يعرفها جيداً وعمل معها طويلاً قبل أن يصل إلى رئاسة الوزراء، ثم وجد نفسه، بعد وصوله، أمام وزراء ونواب لرئيس الوزراء جاء جلّهم من موازين القوى والتوافقات التي أنتجت الحكومة نفسها.
وعندما يصعب تغيير الأشخاص الذين تفرضهم التوازنات، يصبح مفهوماً البحث عن وسيلة أخرى لضبط سلوكهم، فالقانون يحاسب المسؤول على ما يمكن إثباته، بينما يخاطب القسم مساحة أخرى هي الضمير، وما يفعله الإنسان حين يغيب او يضعف الرقيب.
إلا أن الفساد العراقي أكبر بكثير من مسألة الأخلاق الفردية، فنحن أمام تشابك تراكمات امتدت لأكثر من عقدين بين السياسة والاقتصاد، والحزب والفصائل المسلحة والمال، والزبائنية والولاءات، والقرابة والوظيفة، حتى يصبح مفهوم الكليبتوقراطية، في بعض جوانب المشهد، أكثر تفسيراً من كلمة الفساد نفسها. فالفساد قد يعني نظاماً تعمل قواعده ثم ينتهكها بعض الأفراد، أما المشكلة الأعمق فتبدأ عندما تدخل آليات الاستحواذ على الموارد والعقود والوظائف في طريقة اشتغال النظام نفسه وإعادة إنتاج تحالفاته السياسية.
وأمام حالة كهذه لا تكفي النيات الحسنة ولا القسم، وثمة أماكن أقل شاعرية كان يمكن للسيد للزيدي البدء منها: المكاتب الاقتصادية للأحزاب والفصائل، العمولات على العقود، الشركات الواجهة، الجبايات غير الرسمية، تضخم الثروات، تهريب النفط، المنافذ، العقود الحكومية، واستخدام موارد الدولة في بناء النفوذ الحزبي والعائلي، ثم فتح دفاتر الحكومات السابقة بالجدية نفسها، ووضع مسافة واضحة بين المنصب الحكومي والمصلحة الاقتصادية، وبين الدولة والحزب، وبين القرار العام والعائلة والقرابة.
وهنا يبرز سؤال جاد، وإن لم يخلُ من التندر: لمن يصغي رئيس الحكومة، وهو المحاط بعشرات المستشارين حتى بعد إنهاء عقود 69 منهم، عندما يختار مواجهة مشكلة اقتصادية وسياسية ومؤسساتية بهذا الحجم بمثل هذا القدر من الفولكلور السياسي؟ والفولكلور هنا ليس شتيمة، بل على العكس، فهو من أغنى المواد لفهم المجتمعات، لأنه يكشف معتقداتها وطقوسها ونوادرها وأمثالها وطريقتها في تصور السلطة والشرف والخوف والمقدس، إلا أن الفولكلور، مهما كان غنياً بالمعنى، ليس غرفة عمليات لإدارة دولة.




