نهاية نظام المحاصصة وبداية ديمقراطية الأغلبية
5-أيار-2026

منذ عام 2003، قام النظام السياسي في العراق على ما سُمّي بـ“المحاصصة التوافقية”، بوصفها حلاً لإدارة التعدد ومنع الصراع بين المكونات. غير أن التجربة العملية الممتدة لأكثر من عقدين أثبتت أن هذا النموذج لم يكن مرحلة انتقالية نحو الدولة، بل أصبح عائقاً بنيوياً يمنع قيامها. فالمحاصصة لم تُنتج استقراراً، ولم تبنِ مؤسسات، ولم تُحقق عدالة، بل أعادت إنتاج الانقسام، ورسّخت العجز، وعمّقت الفجوة بين الدولة والمجتمع.
إن الخلل في هذا النظام ليس في سوء تطبيقه، بل في منطقه ذاته. فالمحاصصة تقوم على افتراض أن المجتمع مجموعة مكونات مغلقة تحتاج إلى تقاسم السلطة بينها، بينما تقوم الدولة الحديثة—وبالدرجة الأعلى، الدولة الحضارية الحديثة—على افتراض مختلف تماماً، وهو أن المجتمع وحدة سياسية تتجسد في مواطنين أحرار متساوين أمام القانون. وعندما يُستبدل مبدأ المواطنة بمبدأ الحصة، تتحول الدولة من إطار جامع إلى ساحة توزيع، ومن كيان سيادي إلى غنيمة سياسية.
لقد أنتجت المحاصصة ثلاث آليات تدمير صامتة للدولة. أولها تمييع المسؤولية، إذ لم يعد بالإمكان تحديد من يحكم ومن يُحاسب، لأن الجميع شركاء في السلطة بنسب متفاوتة، فيغيب الفشل كما تغيب المحاسبة. وثانيها تعطيل الكفاءة، حيث تُوزع المواقع على أساس الانتماء لا القدرة، فتُدار الدولة بمنطق التمثيل لا بمنطق الإنجاز. وثالثها إلغاء الزمن السياسي، إذ يتوقف التداول الحقيقي للسلطة، ويتحول النظام إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها عبر التسويات، لا عبر الإرادة الشعبية.
والأخطر من ذلك أن المحاصصة تُقدَّم بوصفها آلية لحماية المكونات، بينما هي في حقيقتها آلية لحماية النخب. فهي لا تمنح المواطنين تمثيلاً حقيقياً، بل تمنح قادة الكتل حق احتكار تمثيلهم، وتُغلق المجال أمام نشوء معارضة وطنية عابرة للهويات، وتُبقي المجتمع أسيراً لانقساماته الأولية. وبهذا المعنى، فإن المحاصصة لا تمنع الاستبداد، بل تعيد إنتاجه في صورة جماعية موزعة.
في ضوء الفلسفة الحضارية، يتضح أن هذا النموذج يعاني من خلل عميق في تنظيم “المركب الحضاري الخماسي”، إذ يفشل في بناء علاقة متوازنة بين الإنسان بوصفه مواطناً، والأرض بوصفها وطناً، والزمن بوصفه مساراً تراكمياً، والعلم بوصفه أداة إدارة، والعمل بوصفه قيمة إنتاج. وبدلاً من أن تُضبط هذه العلاقة بمنظومة القيم العليا—الحرية، العدالة، المساواة، المسؤولية—تنحرف نحو منطق التقاسم والغنيمة، حيث تُفرغ الدولة من معناها الحضاري. أمام هذا الانسداد البنيوي، لا يمكن إصلاح المحاصصة من داخلها، لأن المشكلة ليست في تفاصيلها، بل في قاعدتها. والحل لا يكون بتجميل التوافق، بل بتغييره جذرياً عبر الانتقال إلى ديمقراطية الأغلبية على قاعدة (50% + 1). فهذه القاعدة ليست مجرد تقنية انتخابية، بل هي مبدأ لإعادة تأسيس الدولة على أساس الإرادة الشعبية المباشرة.
إن ديمقراطية الأغلبية تعيد بناء السياسة على أساس واضح: من يفوز يحكم، ومن يخسر يعارض. وبهذا، تُستعاد المسؤولية، وتُبنى معارضة حقيقية، ويصبح التداول ممكناً، ويُعاد ربط السلطة بالناخب. إنها تنقل النظام من “توازن الشلل” إلى “وضوح الفعل”، ومن تسويات الغرف المغلقة إلى تنافس البرامج المفتوح.
أما الاعتراض بأن حكم الأغلبية قد يؤدي إلى استبداد عددي أو إقصاء للمكونات، فهو اعتراض يبدو وجيهاً في الظاهر، لكنه ينهار عند الفحص. فالاستبداد في العراق لم يكن نتيجة أغلبية، بل نتيجة غيابها. والمحاصصة لم تحمِ التنوع، بل جمّدته وحوّلته إلى أداة صراع. أما في نموذج الدولة الحضارية الحديثة، فإن الأغلبية لا تُترك بلا ضوابط، بل تُقيد بمنظومة القيم العليا وبالدستور الذي يحمي الحقوق والحريات الأساسية. وهنا يتحقق التوازن بين “الشرعية العددية” و“الشرعية القيمية”، بحيث تحكم الأغلبية، لكن لا تتجاوز حدود العدالة.

نهاية نظام المحاصصة وبداية ديمقراطية الأغلبية
5-أيار-2026
الحكام الأولاد
5-أيار-2026
السياحة الآثارية في هيت وحديثة تؤتي ثمارها
5-أيار-2026
مصممة أزياء كردية تعرض تصاميمها في عرض عالمي
5-أيار-2026
10 فنادق فئة خمس نجوم تدخل الخدمة نهاية العام
29-نيسان-2026
العراق في مرتبة متأخرة عالمياً بحرية الإنترنت
29-نيسان-2026
منصة رقمية حديثة تدعم سياسات التشغيل سوق العمل
29-نيسان-2026
بين الربط الكهربائي وارتفاع أسعار الطاقة عالميا تمهيد لصيف ساخن على العراقيين
29-نيسان-2026
من «مرشح الظل» إلى رئيس وزراء مكلّف كيف صعد علي الزيدي إلى واجهة المشهد السياسي
29-نيسان-2026
السيول تكشف هشاشة إدارة المياه.. خسائر فادحة للمزارعين ومطالبات بتعويضات عاجلة
29-نيسان-2026
Powered by weebtech Design by webacademy
Design by webacademy
Powered by weebtech