رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 18 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2063

رسائل من بغداد.. فيلم وثائقي عن المس بيل ودورها فـي بناء العراق الحديث

 نجاح الجبيلي
بعد إخفاق فيلم السيرة "ملكة الصحراء"، يكون من الواضح أنّ الرحالة الجريئة والمتخصصة المؤثرة ببلاد العرب غيرترود بيل، التي تعرف أيضاً بشكل مصغر بـ" تي. إي. لورنس الأنثى"، تحتاج إلى أن تنقذ مكانتها من محاولة فرنر هيرزوغ التي تفتقر إلى الحكمة. في خطوة جديدة تحقق المخرجتان "زيفا أولبوم وسابين كراينبوهل" فيلماً وثائقياً بعنوان "رسائل من بغداد"، مستخدمتين وثائق ذات طبيعة بحثية مُعتنى بها، وتوظّفان ثروة رائعة من المقاطع الصورية الأرشيفية يصاحبها صوتٌ خارجي تلقيه الممثلة تيلدا سوينتن كونها غيروترد بيل.
إن خلفية المخرجتين كون إحداهما مونتيرة (كراينبوهل)، والأخرى مصورة فوتوغرافية (أولبوم)، سوياً مع إعجابهما بالأراضي التي كانت المس بيل تشعر بأنها مرتبطة بها، من الواضح أنها معروضة بطريقة حسّاسة بشكل كبير، إذ أنهما تعالجان المادة على المستويين البصري والتأريخي.
    تؤدي الممثلة سوينتين مهمتين في الفيلم، كونها مؤدية صوت خارجي (voiceover)، ومنتجة منفذة، وهو قرار تسويقي يمتاز بالحكمة. ويضمُّ الفيلم أيضاً شخصيات تلقي كلمات مستمدة من الرسائل واليوميات. غير أن ما غاب عن الفيلم هو عدم وجود أي إشارة إلى الاتهام الذي وجهه إدورد سعيد إلى الاستشراق، الذي يلوّن بشكل منقطع التقييم الحديث لدور المس بيل الحاسم في تأسيس العراق الحديث؛ وكذلك فقدان أي تقييم سلبي من قبل معاصريها العرب.
 إن المشاهدين المتناغمين مع التسلسل الزمني ربما يعترضون على الطريقة التي تُمزج بها معاً مقاطع صورية عدّة من فترات مختلفة - فالصور المصاحبة لرسالة مؤرّخة في سنة 1918 بالتأكيد لا ترتبط بها.    تظهر الصور الفوتوغرافية لبيل كامرأة نحيلة ذات وجه صارم بسيماء يشبه القناع وذوق للملابس الناعمة. زعم تي إي لورنس (يؤدي الدور أريك لوشايدر) بأنها كانت "لا تشبه امرأة" على الرغم من أن ذلك ينم عن طبيعته الكارهة للنساء وغروره. الأكثر توضيحاً هو تقييم الليدي مول تريفيلان شقيقة بيل (تؤدي الدور لوسي روبنسون): "طبيعتها ليست بالطيبة ولا السعيدة". وتعقّد هذا التقييم رسائل بيل إلى أبيها، التي تُقرأ بصوت سوينتون الدافئ، والتي تكشف عن رباط حميم عميق مع عائلتها – يجري عكس المرأة الفارغة عاطفياً التي توصف في الكثير من المذكرات عنها. تغطّي المخرجتان حياتها برمتها من الميلاد في عالم ثري ومع ذلك غير أمين مالياً من الارستقراطيين الثانويين إلى وفاتها في الثامنة والخمسين بسبب جرعة زائدة من الحبوب المنوّمة. مثل أغلب أفراد طبقتها، كانت بيل متحفظةً بشأن الناس من خارج دائرتها الداخلية، مع ذلك فقد طوّرت شغفاً بالمعرفة والرحلات. إذ بعد زيارة إلى عمها السفير البريطاني في طهران، نشأ لديها حب عميق للشرق الأدنى فانغمست بشكل متتالٍ في رحلات جريئة عبر الصحارى العربية وزيارات إلى القبائل في العراق وسوريا.
    تؤكد المخرجتان على دور بيل الأساس في الترويج لعلم الآثار في المنطقة وإنشاء متحف الآثار في العراق على الرغم من أن الفيلم يتجنب خيبة أملها من عهد فيصل. وكذلك تصور ألعاب القوة لبريطانيا التي مارستها في المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى والأهمية الاستراتيجية في حماية التجارة الهندية، وفيما بعد اكتشاف النفط الذي أصبح العامل الفعّال في الشرق الأوسط. ينجح الفيلم في إظهار أعماق العاطفة لبيل ويوازن ما بين اتهامات موجّهة لها بسبب التعجرف وبين الإشارات إلى شغفيها المحتملين غير المكتملين. الشخصيات المتكلمة صورت بحجم 16 ملم لكي تتناسق مع الجواهر الحقيقية للفيلم. إن هذه الصور المدهشة التي جرت رقمنتها خصيصاً لهذا الفيلم الوثائقي والبعض منها احتفظ بلونه الأصلي، تلقي الضوء على عالم بيل وانجذابها إلى الشرق الأوسط. كما أن صور بيل الرائعة تحمل نكهة الوثائقي وتشهد على حدّتها البصرية.     

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي