رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 25 حزيران( يونيو ) 2019 - السنة التاسعة - العدد 2224

هرب الحب من هذه المدينة ولم يعد

الخميس - 16 ايار( مايو ) 2019

آية منصور

حينما تقدمت سهى، احدى الطالبات القادمات من مدينة اخرى بسبب الاحداث الطائفية، لم يستقبلها الصف الدراسي كما يجب، وجهها تملؤه الحبوب، والنظارة چعب استكان، الحاجب كث، ومن الديانة الصابئية، حاولت وفي اليوم الاول طلب الماء من احدى الطالبات لكنها رفضت بقولها:

- اوي صبية نگسة!

الامر الذي دفعها للبكاء، لقد كان عليها الارتواء من دموعها بدلا من الطلب من الاخرين، لم تمر الايام سعيدة من الفتاة المهجرة والصابئية، لم تجد صداقة جيدة، ولا معاملة جيدة، لقد كانت الحبوب المنتشرة مثل كواكب على سماء وجهها، تنفر الفتيات منها دائما اضافة للعديد من المضايقات بحق بشرتها وديانتها، لقد كانت الحياة تعيسة بالنسبة لها، حتى حضر ذلك اليوم، اليوم الاخير لها في المدرسة، واللحظات الاخيرة لتقول لنا:

- ستتخلصون مني، الى الابد.

سهى هاجرت الى سوريا ثم الى السويد، سمعت قبل مدة انها درست الطب هناك.

مر وقت طويل على تلك الحظات وبقيت سهى، لتزور عقلي دائما، او لنقل، كلما وجدت هذا الشرخ الهائل الذي لا يُردم. الكراهية لاسباب لا نعرفها، مجددا، التنمر في ارواحنا لاسباب لا نعرفها مرة اخرى، الهجوم اللفظي، again! حيث يبدأ بكلمة، كلمة واحدة كفيلة، مثل قطعة دومينو بسقوطها، ونعلم ما يحدث بعدها، وهذا تماما ما يحدث، يبدو ان الحرب فعلت فعلتها بسرقة الحب من ارواحنا، تركت الفراغ الذي نحاول املاؤه بالخيبات فقط، الخيبات التي لا تجعلنا ننام بعمق حقا، اشاهد حفلات السخرية على الضحايا، فيديو يحوي خطأ بامكانه تحويل صاحبه الى اداة تسلية لمحبي الضحك على حساب الاخرين. ومادة شهية لجوعى اللايكات، تقام على روحه الفقيرة -دون سبب- شدة يا ورد، بشتائمهم وتعليقاتهم الجارحة، انها ليست المرة الاولى التي نخسر بها الرهان ام الحياة، ليست المرة الاولى التي نفضل بها اضافة القبح في ارواحنا، ليست المرة الاولى التي نعلن بها عن انيابنا الحادة سيوفا تقطع بعضنا البعض دون ان ننتبه، ولم؟ هل تساءل احدنا، ما الحكمة من كل هذه الكراهية؟ حسنا هل اضافت شيئا لنا؟ برافو لم تضف شيئا سوى بقع جديدة من السواد فينا، وهل سنستطيع ايقافها؟ قبل سقوط جميع القطع، الا من الواجب ايقاف واحدة ولن كانت الاخيرة لنشعر اننا انقذنا اقلها ولو جزء طفيف قبل تهديم البقية.

كيف لهم القدرة على تحمل كل هذا الكره؟ اقصد الطرفين، الجلادين والضحايا، لكن السكوت ليس حلا دائما، على المتنمر ان يعرف بشناعة ما يكتب، وكما يملكون القدرة على القسوة، على الاخرين صدهم وتعريتهم امام انفسهم والاخرين، تذكرت الان وانا اكتب حديث صديقتي الفرنسية كارتين عن لون بشرتي الرائعة كما تقول فاجبتها ضاحكة كعادتي: "يسمون لون بشرتي بالزرقاء" تطلعت بوجهي فاغرة الفم بعد ان شرحت لها "مزاحنا" حول كل شيء لتجيب بصرامة حادة وقاسية:

- هذه عنصرية غير مهذبة منهم، بشرتك زرقاء او خضراء او حمراء لا يهم، المهم انك جيدة مع الاخرين.

تركتها تتحدث بغضب وضحكت بسري وانا احاول عد المرات التي شُتمت بها دونما سبب لأجيبها مع نفسي:

- هاي انت ششايفة؟ لم يعد الحب موجودا في هذه المدينة.

- هل تتحدثين معي يا اية؟!

- احدث نفسي، لنأكل شيئا يجعلني بشرتي مقبولة في بلدي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي