رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 15 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2023

لصوص السينما ..!

قاسم حول

عندما تم تعيين السياسي المناضل الجزائري عبد الحميد مهري وزيراً للإعلام والثقافة في شهر مارس عام 1979 كان قد مر على وفاة الرئيس الجزائري هواري بو مدين أكثر من ثلاثة شهور، حيث توفى بومدين في 27 ديسمبر عام 1978 وكانت الجزائر تنتظر الفيلم السينمائي عن شخصية الرئيس المتوفى، ومنها مراسيم الدفن، لتعرض في صالات السينما الجزائرية. وكانت هذه أول مشكلة واجهت وزير الإعلام والثقافة الجزائرية. 
في عام 1973 سمح لي بالتصوير لخمس دقائق قبل إنعقاد الجلسة السرية لمؤتمر القمة العربية المنعقد في العاصمة الجزائرية. وكنت المصور الوحيد الذي سمح له بتصوير خمس دقائق للجلسة السرية، قبل إنعقادها إحتراما  للثورة الفلسطينية، وكان الرؤوساء العرب ينتظرون وصول هواري بومدين للإجتماع المغلق. وصل الرئيس بو مدين، وهو أجمل بكثير من صوره المنشورة. قامة عسكرية ممشوقة بعباءة جزائرية بنية اللون يمشي مثل عبد الكريم قاسم الذي يمشي فوق السحاب. صورت الرؤوساء العرب، ودخول بومدين للمؤتمر الذي قاطعه العراق!
 قبل وصولنا مؤتمر القمة، واجهتنا بسام أبو شريف وأنا عاصفة ثلجية إضطرت الطائرة للهبوط في مطار بودابست، وبتنا ليلة في أوتيل كلاسيكي حجزت لنا فيه السفارة الفلسطينية، لحين أن تهدأ العاصفة الثلجية. مكثنا تلك الليلة في بودابست، وهدأت العاصفة الثلجية، وأخذنا أول طائرة كي نلحق بالوفد الفلسطيني برئاسة ياسر عرفات يصاحبه جورج حبش. طلب مني السفير الفلسطيني في بودابست أن أحمل صندوقاً، يحتوي على ستة وعشرين قنينة عسل خاص من غذاء الملكة إلى ياسر عرفات، لأعطيها له في الجزائر، وقال لي هذا هو الغذاء الأهم لياسر عرفات،  وهو سبب حيويته الدائمة. فطلبت منه ثلاث قناني ثمنا، لكي أحمل معي غذاء الملكة للملك ياسر عرفات، وفي الصباح قبل أن يودعنا جلب لي القناني الثلاث!
في أروقة مؤتمر القمة تعرفت على عبد الحميد مهري الذي كان حينها وزيرا للتربية، ولكنه كان من الساسة الأفذاذ في الثورة الجزائرية. وحين تم تعيين  عبد الحميد مهري وزيراً للإعلام والثقافة، ودعيت إلى الجزائر لتصوير مهرجان المسرح في قسطنطينة، إلتقيته بعد المهرجان في مكتبه. فحدثني عن المشكلة السينمائية التي يواجهها، وقال لي "حين تسلمت حقيبة الإعلام والثقافة كنت مطالبا بالفيلم المصور عن مراسم تشييع الرئيس الراحل هواري بو مدين" بعد أن مرت على وفاته ثلاثة شهور ولم يصلني الفيلم، فإستدعيت مدير دائرة السينما الجزائرية وسألته عن الفيلم، فخبرني "الفيلم لم يصلنا بعد من فرنسا وهو تحت الطبع والترجمة على الشريط" وسألت مدير السينما، ولماذا الفيلم في فرنسا، أجابني نحن ليس عندنا مخابر لإظهار وطبع الأفلام السينمائية" فأندهشت إن أفلامنا المزدهرة يتم تصنيعها في فرنسا، ونحن لا نملك مخابر للطبع والتحميض. فقررت إجراء تحقيق بصدد الأفلام السينمائية الجزائرية، لأكتشف بأن كافة الأفلام الجزائرية مخزونة في المخابر الفرنسية بأصولها السالبة والموجبة، ولأكتشف أيضا بأن واردات هذه الأفلام التي كانت تعرض في أنحاء العالم تعود للمخرجين، لأن المخرج حين يصور فيلمه في الجزائر يأخذ معه الأصول إلى المخابر الفرنسية، ويتم التعاقد بينه وبين المخبر ويبقى الفيلم محفوظا في مخازن المخبر الفرنسي بإسم المخرج، وهو الوحيد القادر على إصدار الأمر بطباعة الفيلم ولا يحق لوزارة الثقافة الطلب من المخابر الفرنسية طباعة نسخ لصالح الوزارة، بل يجب أن يتم ذلك من خلال مخرج الفيلم! كانت الأفلام الجزائرية تطبع وتعرض في أنحاء العالم في صلات السينما وفي القنوات التلفزيونية، وتذهب الواردات في جيوب المخرجين، فقمت بفتح ملف السينما الجزائرية، وتم أغلاق دائرة السينما وتحويلها إلى قسم للسينما في وزارة الثقافة وتحت مراقبة الوزارة والوزير .. وتم تنازل المخرجين عن حقوقهم في ملكية الأفلام وسحبت الأفلام إلى الجزائر وتم حفظها بطريقة نظامية!
ملف السينما العراقية هو ملف شائك، ولصوص السينما العراقية لصوص خطيرون ومراوغون، وهم يدركون حجم الفساد في الدولة العراقية، والفساد في رأس الدولة العراقية وهو بالمليارات، فيظنون أن لا أحد ينتبه لسرقاتهم التي تقدر بالملايين! والعكس هو الصحيح، فإن النزاهة تريد أن تطيح بالرؤوس الصغيرة، لتلهي الناس عن الرؤوس الكبيرة. سوف تطالهم يد العدالة اليوم .. أو في الغد القريب! 
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي