صبيح الكعبي
حين ينهش العبث جسد الدولة، وتتحول مقدرات البلاد وثروات الأجيال إلى مسرح لسياسات الترقيع وردات الفعل، يصبح الصمت تواطؤاً مع العشوائية. إن الأوطان لا تُبنى بـ”إطفاء الحرائق” الإدارية، ولا بقرارات تولد من رحم المزاجية والمحاصصة، بل بعقل علمي رصين يضبط إيقاع الحياة من الطفولة إلى الكهولة. هذا العقل ليس سوى “وزارة التخطيط”؛ تلك البوصلة التي تصمم مسارات الصناعة، والتجارة، والبنى التحتية، لتصنع دولة مؤسسات راسخة تعبر الوجوه والسياسات، وينطلق فيها الخلف من حيث انتهى السلف.
واليوم نقف أمام لحظة الحقيقة. فبعد جهود مضنية استمرت لشهور، وبسواعد فرق ميدانية واصلت الليل بالنهار، اكتمل الإحصاء السكاني العام ليكون الكنز المعرفي الأكبر والأثمن في تاريخنا المعاصر. لكن السؤال المحرق الذي يواجه الضمير الوطني الآن: ما الفائدة من هذا الجهد الاستثنائي إذا انتهت تلك البيانات أرقاماً صماء مركونة على الرفوف ومتروكة للغبار في مدرجات المكاتب؟ إن إبقاء هذه الخارطة البشرية قيد الأدراج ليس هدرًا للمال والوقت فحسب، بل هو تبديد لآخر فرص الإنقاذ المنظم.
من هنا، تبرز المسؤولية التاريخية المباشرة لوزير التخطيط وخبراء الوزارة؛ إذ يتوجب عليهم تحفيز أدواتهم الفنية، والاندفاع نحو تحويل هذه المؤشرات إلى برنامج عمل تنفيذي ملزم. إن الخطوة الأولى تبدأ باستدعاء العقول من أساتذة الجامعات والخبرات الدولية، لإنضاج مسودة “قانون التخطيط الإستراتيجي السيادي” عبر حلقات نقاشية معمقة، تؤمن للمقترح حصانته الفنية قبل أن يرفع إلى مجلس الوزراء للتصويت، ومنه إلى مجلس النواب للإقرار.
وإن العمود الفقري لهذا المشروع، والضمانة الوحيدة لسلامة الخطى، تكمن في صياغة “قفل تشريعي” صارم؛ يمنع إقرار أو تمويل أي موازنة مالية عامة في البلاد ما لم تكن منبثقة بنسبة مئة في المئة من أرقام هذا الإحصاء وخطط الوزارة التنموية. فلا مكان بعد اليوم لمشاريع الأهواء أو الصفقات العابرة، بل الأولوية المطلقة لنسب المحرومية وحاجات الإنسان الفعلية التي وثقها التعداد. بغير هذا الربط العضوي المحكم، سنظل نضع عربات الدولة على سكك وهمية.
إن قوننة التخطيط هي الحد الفاصل بين دولة تتقاذفها أمواج العشوائية، ودولة تسير بثقة نحو مصاف الأمم المتقدمة. لقد حان الوقت لنفض الغبار عن الحقائق، وحماية مستقبل أجيالنا بقوة القانون، فالأرقام لا تكذب، والقطار لا يستقيم مساره إلا إذا وضعت سكته بوعي، ورصانة، ونزاهة



