بغداد – العالم
أعادت المحكمة الاتحادية العليا رسم حدود الصلاحيات الدستورية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، بعد إصدارها حكماً بعدم دستورية قانون إقليم كردستان رقم (21) لسنة 2003، الذي أوقف العمل داخل الإقليم بنصوص من قانون العقوبات العراقي تتعلق بجرائم أمن الدولة الداخلي والخارجي والجرائم الماسة بسلطة الحكومة العامة.
ورصدت «العالم» أن الحكم يستند إلى مخالفة القانون الإقليمي أحكام المادتين (110) و(121/ثانياً) من الدستور العراقي، فيما اعتبر خبراء قانونيون أن القرار يؤكد حصرية بعض الملفات الأمنية والسيادية بيد السلطات الاتحادية، من دون أن يعني إلغاء الصلاحيات الدستورية الممنوحة للإقليم.
وقال الخبير القانوني بيرو ياسين ميرعزيز إن قرار المحكمة الاتحادية استند إلى تعارض القانون رقم (21) مع الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، موضحاً أن المادة (110) من الدستور حددت جملة من هذه الاختصاصات، بينها السياسة الخارجية والدفاع والأمن الوطني والسياسة المالية والنقدية، بينما تمنح المادة (121) الأقاليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضمن الحدود التي رسمها الدستور.
وأوضح ميرعزيز أن اقتصار الحكم على القانون المطعون فيه يعود إلى طبيعة الدعوى المعروضة أمام المحكمة، مبيناً أن المحكمة الاتحادية تفصل في الطعون المقدمة إليها ولا تبادر، من تلقاء نفسها، إلى إبطال القوانين التي لم تكن موضوعاً للدعوى.
وأشار إلى أن المحكمة سبق أن أبطلت تشريعات صادرة عن إقليم كردستان، من بينها قانون النفط والغاز لعام 2007 وقانون تمديد عمل البرلمان لعام 2022، معتبراً أن هذه الأحكام تؤكد خضوع التشريعات الإقليمية للرقابة الدستورية عندما تتعارض مع أحكام الدستور الاتحادي.
وبحسب قرار المحكمة، فإن القانون الإقليمي أوقف العمل بعدد من مواد قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969، بينها نصوص تتعلق بأمن الدولة الخارجي والداخلي والجرائم الماسة بسلطة الحكومة العامة. وأكدت المحكمة أن حكمها بات وملزماً لجميع السلطات، استناداً إلى أحكام الدستور وقانون المحكمة الاتحادية العليا.
ويتمحور الجانب الأبرز من القرار حول تفسير حدود المادة (110) من الدستور، التي تجعل مسؤولية وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها من الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.
وفي هذا السياق، قال الخبير القانوني طارق المعموري إن المادة (110/ثانياً) تمنح الحكومة الاتحادية مسؤولية وضع وتنفيذ سياسة الأمن الوطني، بما يرتبط بإنشاء القوات المسلحة وإدارتها وحماية الحدود والدفاع عن البلاد.
وأضاف أن قانون الإقليم رقم (21) تجاوز، بحسب التفسير الذي استند إليه الحكم، نطاق الصلاحيات الممنوحة للإقليم، ما يجعل إبطاله منسجماً مع الحدود الدستورية للاختصاصات الاتحادية.
وأكد المعموري أن الحكم لا يلغي الضمانات الدستورية الخاصة بإقليم كردستان، ولا يعطل صلاحياته التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإنما يضع حداً للتوسع في استخدامها عندما تتصل بملفات تدخل ضمن الاختصاصات الاتحادية الحصرية.
ويرى خبراء أن تداعيات الحكم قد تتجاوز القانون الذي صدر القرار بشأنه، مع احتمال ظهور طعون دستورية جديدة تستهدف تشريعات إقليمية أخرى، ولا سيما القوانين التي تتصل بملفات سيادية أو باختصاصات حصرية للحكومة الاتحادية.
ورجح ميرعزيز أن تلجأ الحكومة الاتحادية إلى القضاء للطعن في قوانين أخرى إذا رأت أنها تتعارض مع الدستور، مستندة إلى مبدأ سمو الدستور الاتحادي، وإلى القيود التي تفرضها المادة (121) على ممارسة الصلاحيات الإقليمية.
ويعيد القرار بذلك ملف العلاقة الدستورية بين بغداد وأربيل إلى واجهة النقاش، بعدما بقي قانون أمني نافذاً في الإقليم لنحو 23 عاماً، قبل أن تضع المحكمة الاتحادية حداً له استناداً إلى مبدأ توزيع الاختصاصات.
ولا يعني الحكم، وفق القراءة القانونية التي تابعتها «العالم»، إنهاء الصلاحيات الممنوحة لإقليم كردستان، بقدر ما يمثل تأكيداً على أن تلك الصلاحيات يجب أن تمارس ضمن السقف الدستوري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني والسيادة والاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.





